نحن غالباً نثق بأعيننا ثقة عمياء لدرجة نعتقد أننا مثل الكاميرات التي تسجل كل ما يدور حولنا، وأن أي شيء يقع في مجال رؤيتنا سنلاحظه بالضرورة، خاصة إذا كان كبيراً، أو غريباً، لكن أثناء قراءتي لإحدى التجارب الطريفة، وجدت أن علم الأعصاب يصدمنا بحقيقة غريبة، وهي أن العين ترى، لكن الدماغ هو الذي يقرر ما إذا كان سيبصر ويرى هذا الشيء أم لا.
هذه الظاهرة تسمى عمى الانتباه، وهي تعني ببساطة أننا حين نركز بشدة على مهمة معينة، فإن أدمغتنا تقوم بفلترة وحجب كل ما عداها، حتى لو كان هذا الشيء المحجوب ضخماً وواضحاً ويمر أمامنا.
أشهر وأطرف تجربة أثبتت هذا الأمر الغريب هي تجربة «الغوريلا الخفية» التي أجراها الباحثان كريستوفر شابريس ودانيال سيمونز، في هذه التجربة عرض الباحثان على المشاركين مقطع فيديو قصيراً لمجموعة من الأشخاص يرتدون قمصاناً بيضاء وسوداء يمررون كرة سلة بينهم، ثم طلب من المشاركين مهمة تركيز بسيطة، وهي عدّ عدد التمريرات التي يقوم بها الفريق الأبيض فقط. في منتصف الفيديو، يدخل شخص يرتدي زي غوريلا كاملاً، ويمشي ببطء وسط اللاعبين، ثم يقف في المنتصف ويضرب على صدره، ثم يخرج بسلام. الغوريلا تظهر على الشاشة لمدة 9 ثوانٍ كاملة.
بعد انتهاء الفيديو، سأل الباحثون المشاركين: «هل رأيتم أي شيء غير معتاد؟». النتيجة كانت مذهلة ولا تصدق. نصف المشاركين تقريباً أجابوا بثقة: «لا، لم نر شيئاً». لقد كانوا مشغولين جداً بعدّ التمريرات لدرجة أن عقولهم محت وجود الغوريلا تماماً. يذكر الباحثان هذه النتيجة المحسوبة في نص الدراسة: «عبر جميع الظروف، لاحظ 54% من المراقبين الحدث غير المتوقع وفشل 46% في ملاحظته». إذا قسنا هذا الأمر على باقي أمور الحياة، نصف البشر تقريباً لا يرون غوريلا تمر أمامهم إذا كانوا منشغلين.
عدم ملاحظة شيء كبير وغريب ليس خللاً في النظر، بل هو ضريبة التركيز. والدرس العميق هنا يتجاوز كرة السلة. في حياتنا اليومية، نحن مشغولون جداً بعدّ التمريرات، ملاحقة الطموحات، القلق من المستقبل، الانشغال بالهاتف، لدرجة أننا نفقد رؤية الأحداث الكبيرة والجميلة التي تمر ببطء أمامنا: طفولة أبنائنا العابرة، صحتنا التي نعتبرها مضمونة، أو جمال طريق اعتدنا نسلكه يومياً. نحن لا نرى الأشياء لأنها موجودة، بل نراها لأننا قررنا الانتباه إليها. ربما حان الوقت لنرفع رؤوسنا عن بعض الأمور قليلاً، وننظر حولنا، لعلنا نبصر المعجزات الصغيرة التي كانت تنتظرنا طوال الوقت.
[email protected]
الغوريلا التي لا نراها
4 يناير 2026 00:21 صباحًا
|
آخر تحديث:
4 يناير 00:21 2026
شارك