وليد عثمان

الاختلاف بين الدول، كما هو بين البشر، أمرٌ طبيعي، فليس من المعقول ولا المعروف تاريخياً أن تتطابق مواقف دولتين أو أكثر تجاه جميع القضايا السياسية في كل الأوقات، بل إن كل نظام تنشأ داخله تيارات تتعارض في أفكارها ورؤاها تجاه الأمور، من غير أن يكون ذلك مدخلاً للخلاف أو الانقسام، فالغاية النهائية هي الاتفاق على الصيغة المثلى والأنسب للقرار.
وفي كل الأحوال، تبقى المشتركات أساساً متيناً وجوهرياً للتعامل مع الأمور، المستقر منها والطارئ، خاصة إذا كانت الغلبة للقواعد الحاكمة للعلاقة بين دولتين أو دول في إقليم مشدود بعضه إلى بعض بوثائق الدم، والدين، واللغة، والجوار، والمصير الواحد. ومثل هذه الروابط الخاصة هي التي تحرر السياسة، في حالات كثيرة، من سمعتها الراسخة القائمة على كونها قائمة دائماً على المصلحة المجردة من القيم والأخلاق، وأن غايتها تبرر أي وسيلة.
لسنا هنا إزاء تجاهل أثر الصراع بين القيمة والغاية في العمل السياسي، ولا مجال لنكران أن لكل دولة مصلحتها، لكن المؤكد أن الضابط للتحركات هو اختيارها الحر والثابت الذي يراعي الأمرين: المصلحة والقيمة الأخلاقية. وقد تطغى هذه القيمة على المصلحة الذاتية لأي دولة إذا كانت تصطدم بمنافع أكبر للمحيط السياسي القريب أو البعيد.
لذلك، فإن من المهم إعادة الاعتبار للمعيار الأخلاقي في العمل السياسي، خاصة بين الدول المرتبطة تاريخياً وجغرافياً وقيمياً، وتفسير الحكمة والسموّ على المكاسب القريبة بكونهما عقلانية تروّض غلو الأطراف الأخرى في العلاقة السياسية، وتمنحها مساحات لإعادة قراءة الأمور وردود الفعل من غير ربطها بمعانٍ أخرى.
الأمر هنا أشبه بعلاقات البشر التي تبرز فيها الفروق الفردية وقدرة كل طرف على احترام «العِشرة» و«الجيرة» و«الدم الواحد» وترك مساحات أمام الآخر للتراجع والتروّي.
هذه التعابير المرتبطة بالصلات بين البشر تصحُّ في علاقات سياسية بعينها، وهي أوجب بالتقدير في لحظات الخطر العاصف بوحدة المصير، لكن إدارة هذه اللحظات يجب أن تبقى في مستويات القيادة العليا في كل جانب، ولا مبرر لتركها نهب غوغائية الانطباعات الفردية، والتهور، والمعارك البلهاء التي تتنكر في لحظة لأي روابط وتصعد بالاختلاف إلى مساحة تنال منها، ولا ترى في الجار أو الصديق أو الأخ إلا المذمّات.
التهور والبلاهة والتنكر لماضي أي علاقة لا تصلح في الحياة الشخصية، فما بالنا بمصائر دول وشعوب؟ في زمن أمكن فيه لأي شخص أن يدّعي العلم والحكمة والنفاذ إلى بواطن الأمور، وأن ينتقص من غيره بلا حساب، لم يعد كبت هذه الصفات ممكناً، لكنها يجب أن تبقى على حواف أي اختلاف، مجرد عَرَض لمرض عصري هو فوضى المشاركة في كل شيء، لا نهج للعلاقات، خاصة المصيرية.
هذه العلاقات لا يصلح معها الضجيج والتسخين، وإدارتها مهمة من يرون ما لا نرى، وأوتوا من الحكمة ما لم يُؤت غيرُهم.

[email protected]