هل حاولتَ، في تجربة ذهنية، أن تتخيل فرقةً موسيقيةً ضخمة العدد والعتاد، ولكن الآلات متناطحة في الدوزان؟ إذا كان خيالك قد مرّ بمثل هذا المشهد، فأنت قادر على إدراك ضروب الخلل في الحياة العامة، حين يغيب التنسيق والتناغم بين الميادين، ولديك استيعاب فائق للعلل التي تعانيها المنظومة العربية، جرّاء انعدام العمل المشترك.
المجالات ذات العلاقة بالفكر والرأي والتعبير، قد لا تتصور أن تكون الموسيقى، نظرياً وتطبيقياً، مدرسةً في الفنون والعلوم السياسية والإدارية. المسألة كالنهار لا تحتاج إلى دليل، فالموسيقى العربية متراجعة منحدرة لعدم إلمامها بهذه المفاهيم المحورية، لأن المشتغلين بها هم أنفسهم لم ينشأوا على الرؤية الشاملة. أهل الميادين الأخرى، لا يتساءلون مثلاً: ما هي الانعكاسات الناجمة عن اختلاف إيقاع النمو في مؤسسات البلد الواحد، فهذا سريع وذلك بطيء، هذا تقليدي جداً، وذلك حديث جدّاً. ثم في الفوارق التنموية وأنماطها بين بلدان المنظومة العربية. دول الاتحاد الأوروبي، تسعى إلى الحفاظ على الحدود المعقولة من التنسيق والتوافق من خلال بروكسل.
هل تسمح الآن ببيت القصيد؟ ضرورة الدوزنة في مجموعة قطاعات الحياة العامة، هي من وحي أحداث الحديقة الخلفية للإمبراطورية. السؤال: أليس من الحكمة أن تكون للمؤسسات باستمرار، استعدادات استشرافية، تستطلع بها الآثار التي قد تترتب على التحولات والوقائع المهمّة في العالم؟ ذلك ليس ضرورياً أن يكون على السرعة التي تعمل بها أسواق الأسهم، التي تتابع لحظة بلحظة تقلبات أسعار موارد الطاقة والمعادن الثمينة وغيرها. لكن، من المهمّ التنبّه لاحتمالات الآثار السلبية على الوعي العام، على المعنويات، على الإرادة العامة، جرّاء المفاجآت الجيوسياسية، وما قد ينجم عنها من هزات ارتدادية على مساحات شاسعة من العالم.
إذا كان على أنظمة التعليم أن تستشرف التقدم العلمي والتكنولوجي العالمي، لمواكبته حفاظاً على توازن مستقبل الأوطان، فإن على سائر الميادين أن يكون لها استشرافها، كل في مجاله. أمّا الثقافة والإعلام، فإن الأمانة أشد ضرورةً، لثقل مسؤولية التوعية اليقظة. يقيناً، عصا قيادة الفرقة ليست لها، ولكن لها مكانة الكمان الأول في الأوركسترا.
لزوم ما يلزم: النتيجة التكنولوجية: مع الاستشراف، لا بدّ للنظرة المستقبلية من رادارات ثاقبة.
[email protected]