عبدالله السويجي

ماذا يعني أن انفجاراً وقع في مسجد فيه مصلّون وراح ضحيته العشرات؟ بل ماذا يعني أن يتمنطق شخص ما بحزام ناسف ويذهب وهو بكامل قواه العقلية ويفجّر نفسه وسط المصلين بعد أن يصرخ بعبارة (ألله أكبر)؟ سيُقال إن هذا المشهد تكرّر كثيراً، ويعني أن التطرف والإرهاب باقيين رغم الحرب التي شنتها عليه القوى العظمى. وسيُقال أيضاً إن هذه الأحداث لا تقتصر على المجتمع الإسلامي، لأنها تحدث في العواصم العالمية، فيمتشق أحدهم بندقية آلية ويتوجّه إلى مدرسة أطفال ويفرّغ رصاصاته في صدور التلاميذ والمدرسين. بل إن أحدهم أمسك بسكين وهاجم مجموعات آمنة سالمة في المترو فجرح وقتل. هذه مشاهد عادية يا رجل وتحدث يومياً، فلِمَ الدهشة؟
ولنبدأ من النهاية: (لِمَ الدهشة والتعجّب)، وهنا مكمن المشكلة النفسية والعقلية والإعلامية: موت الدهشة، تراجع التّعجب، غياب الاستغراب، الاعتيادية، وهذه المفردة الأخيرة تلخّص كل النتيجة ولا تفسّر المفاهيم، الاعتيادية أخطر شعور قد يستبد بالإنسان ويسكنه ويتأقلم معه، كأن أسمع خبراً من تلك الأخبار المذكورة ولا يهتز لي جفن، كأن أرى على شاشات المحطات الفضائية عشرات الأطفال يٌقتلون بدم بارد ولا أتأثّر، كأن أراقب رجلاً يصوّب رشاشه إلى مجموعة دينية وبشكل عشوائي وأصمت أو أشمت أو أفرح، كأن أرى الطائرات تقصف مخيمات النازحين ولا أهتم، هذه الاعتيادية تسحب الإنسانية من الإنسان شيئاً فشيئاً حتى يتحوّل إلى رجل آلي، وربما يتعاطف الذكاء الاصطناعي مع هذه المشاهد الإجرامية من خلال اللغة ولا يتعاطف الإنسان الذي اعتاد. وفي الواقع فإن الاعتيادية هي موافقة، في معنى من المعاني، على ما يحدث من جرائم ضد الإنسانية والأديان، موافقة قد تكون غير مباشرة، وإذا صمت الإنسان وعبّر بكلمات قد نشمّ من خلالها التشفّي أو الموافقة أو التأييد، يكون عندئذ مشاركاً في الجريمة ويجب محاسبته وربما محاكمته، لأنه يؤيد الفعل العدواني الإجرامي، لأنه يمارس الإرهاب والتمييز وارتكاب الجرائم. باختصار الاعتيادية لم تكن حيادية يوماً ما، وليست عدم انحياز، إنها رأي قد تتم ترجمته إلى موافقة، ومن يدري، قد يُترجم إلى فعل في وقت من الأوقات.
ثانياً: إن القوى العظمى تحارب الإرهاب منذ أكثر من عقد ونصف النقد، ولا يزال يضرب هنا وهناك، وهذا الفشل الذريع يوجّه علامات الاستفهام والاتهام لهذه الدول، لأنها تحارب الإرهاب بميوعة وليونة وليست جادة في مسعاها، وهذا يعكس سياسة محدّدة، ولا يزال الناس يتناقلون قول هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة، أمام مجلس الشيوخ، إن بلادها هي التي أنشأت تنظيم القاعدة لمحاربة القوات السوفييتية التي احتلت أفغانستان، وحين تمرّد التنظيم لم تقضِ عليه تماماً لاحتمال اللجوء إليه مرّةً أخرى، وقتلت زعيمه بن لادن لكن التنظيم لا يزال على قيد الحياة، بل فرّخ تنظيمات أخرى ليس أولها أبو مصعب الزرقاوي وليس آخرها «تنظيم داعش»، وإذا كانت الحرب ضد الزرقاوي قد نجحت فإن الحرب ضد «داعش» تثبت فشلها يوماً بعد يوم.
إن ما نشهده اليوم من تفجيرات يقوم بها متطرفون وإرهابيون لا ينفصل عن فكرتنا السابقة، ويعكس نوايا الحرب على الإرهاب، فكيف لقوة عظمى تعجز عن مواجهة مجموعة من المسلحين مكشوفين في العراء، وتفشل في القضاء عليهم؟ فهل هذه القوى على علم بما ستقوم به المجموعات المتطرفة حتى تحافظ على وجودها العسكري والاستراتيجي؟ أم أن هؤلاء تمرّدوا على (أساتذتهم)، كما أُشيع أن بن لادن تمرّد على (معلّمه)؟ إن الإجابة مهما تجمّلت فإنها ستصبّ في خانة واحدة، وهذه الدول العظمى لا تحافظ على تنظيمات بعينها لتستخدمها فحسب، وإنما تسعى للإيقاع بين الدول لإثبات وجودها أيضاً، وفي كل الحالات، تسعى إلى المحافظة على مصالحها القديمة أو الحالية أو التي تؤسسها لتستمر في المستقبل.
الآمر الثالث يتعلّق بالدول التي تشهد هذه التفجيرات، وتنطبق عليها التساؤلات الموجهة للقوى العظمى، لأنها على علم بتحركاتهم وأسمائهم وكل ما يتعلّق بهم، وتتركهم في أماكنهم من دون أي إجراء للتخلّص منهم أو القضاء عليهم.
العقلية الإرهابية لا تقتصر على الأفراد بل تمتد نحو المجموعات والدول، وهو ما يصعّب مواجهتها، وهي عقلية محلية مدعومة بفكر محلّي، وخارجية مدعومة بفكر خارجي، وأحياناً تكون العقلية الإرهابية محلية ومدعومة بفكر خارجي، وهي عقلية بشكل عام، مسكوت عنها، لأنها معروفة ومجهولة في الوقت ذاته، مكروهة ومحبوبة، مُحاربة ومقبولة، إنها العقلية التي أسسها (الشيطان) ويستخدمها وقتما يشاء، وكلمة الشيطان لا تعني أي دولة، إنما هي رمز للشر، والشرّ ضد الدين، ولا أعتقد بوجود مجموعة دينية تؤمن بالشرّ، الدين كله خير، ويدعو إلى الخير، أما من يدّعي غير ذلك، ويفسّر الشر بالقوة والحسم والجهاد، فهذا يحتاج إلى إعادة تأهيل من جديد.
الحوار هو الطريق الأقصر والأمثل لحل المشكلات وليس التفجيرات والقتل، لأنك يا صاحب الحزام الناسف لن تتمكن من إقصاء إنسان عن مذهبه أو دينه!

[email protected]