يسرا عادل

لم يبدأ يوم السبت في فنزويلا كيوم عابر، بل كحدث درامي على وقع القصف. فمع الساعات الأولى، استُهدفت مواقع داخل البلاد بضربات جوية مركزة، تزامنت مع انقطاع واسع للكهرباء عن كاراكاس، في مشهد هدف إلى شل البنية الاتصالية والسيادية للدولة.
وسرعان ما انتقل المشهد من السماء إلى الأرض: إنزال لقوات كوماندوز، تحركات خاطفة، ثم إعلان القبض على الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته. ومع تأكيد العملية، أعلن دونالد ترامب، عبر تغريدة، فتح صفحة جديدة لفنزويلا تشمل عودة النفط إلى السوق الأمريكية.
هكذا لم تكن أحداث السبت ضربة معزولة، بل سلسلة مترابطة من الأفعال والرسائل، وضعت فنزويلا أمام واقع جديد لا تزال ملامحه قيد التشكل، فيما يواصل العالم متابعة فصوله.
يقول القانون الدولي إن لرؤساء الدول حصانة شخصية كاملة، لا تثقبها الطائرات ولا الكوماندوز، وقد أكدت محكمة العدل الدولية أن الرؤساء يتمتعون بحماية مطلقة من الولاية القضائية الأجنبية، مهما ثقلت التهم، حتى في جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية. ويضيف ميثاق الأمم المتحدة في مادته الثانية نبرة أخلاقية، مذكراً بالمساواة في السيادة وحرمة التدخل، وأن القبض على رئيس دولة فعل عدائي وانتهاك للنظام الدولي.
غير أن هذه النصوص، بكل وقارها، عاجزة عن مواكبة العصر. قوانين بائدة، تصلح للأرشيف أكثر مما تصلح لساحات العمليات. وهنا يظهر الرئيس المُلهِم ليقول قوله ويفعل ما لم يعد النص قادراً على منعه. فالقانون يحتاج إلى صدمة كهربائية لتجديد حياته، وهو دور سيرجع له حتماً في وقت ما، لأن لكل شيء وقته، إذ لا يزال أمام الرئيس ثلاث سنوات لإعادة كتابة الشرعية صفحة صفحة!
قرأت كثيراً من الدراسات المشينة بحق رجل يسعى، بجهد فردي يكاد يكون رسولياً، لتحقيق العدالة على هذه الأرض، فاختصروا المشهد بما سموه «عقيدة مورنو»، وكأن السياسة تُدار بغريزة لا بمبادئ، وأن ما يحدث مجرد هوس أمريكي بالهيمنة على أمريكا اللاتينية. هذا توصيف يفتقر إلى الحس التربوي ويجافي الحقيقة التي ترى في التدخل فضيلة، وفي القوة علاجاً، وفي الطائرات خطاباً إصلاحياً متقدماً!
وذهب بعضهم بعيداً، كالسيناتور روبن غاليغو، الذي وصف الهجوم الأمريكي بأنه «غير قانوني»، وكتب أن ما يحدث هو ثاني حرب غير مبررة يشهدها بعد غزو العراق. وهنا أختلف معه، لا دفاعاً عن الحرب، بل إنصافاً للتاريخ، بغداد وكاراكاس يتقاسمان قدراً سياسياً واحداً، فالنفط يتحول إلى جريمة، والسيادة تُدرج في خانة التهم، وتصبح الدولة المشاغبة خطراً أخلاقياً على النظام الدولي المستقر.
مثل هذه التجارب يجب أن تُقمع في مهدها، لا كرهاً بالحرية، بل حرصاً عليها، وحتى لا تنتشر العدوى.
ومن يقول إن صدام حسين لم يُعاقَب لأنه امتلك النفط، بل لأنه حاول أن يمتلك قراره النفطي خارج نظام الوصاية، وأن يستخدمه كرافعة سيادية لا كصنبور خاضع، فليكن على يقين أني أختلف معه! ومَن يقول إن فنزويلا لم تُستهدف لأنها دولة فاشلة، بل لأنها أصرت على تأميم قرارها الطاقوي، وربطه بخطاب سيادي، فاسمحوا لي أن أرفضه أيضاً. في الحالتين، تحوّل النفط من مورد اقتصادي إلى ذريعة أخلاقية للتدخل: مرة لحماية العالم من «أسلحة الدمار الشامل»، وأخرى لإنقاذ «الديمقراطية المنتهكة». القيادة المشينة إسقاطها واجب أخلاقي، فمن يقوم به إلا هو؟
وإنصافاً للحق منح العم سام الرئيسين فرصة العودة من الضلال عبر العقوبات: في العراق عاش المجتمع حصاراً مدمراً، وأبى صدام الانصياع، فجاء جورج بوش الابن بالعصا السحرية ليسقط الدولة المتمردة حماية للكوكب! وتكرر السيناريو في كاراكاس، وحاول رجل السلام إنذار مادورو، لكنه، كما بدا.. «إبليس أبى»، فما كان منه سوى أن يهب لإنقاذ الكوكب مرة أخرى، مبذراً الغالي والنفيس.... و«قوات الدلتا»!
قائمة حماية الكوكب تطول: جاكوبو آربينز في غواتيمالا (1954)، وسلفادور أليندي في تشيلي (1973)، ومانويل نورييغا في بنما (1989)، وصدام حسين في العراق (2003)، ومعمر القذافي في ليبيا (2011)، وصولاً إلى مادورو في فنزويلا (2026). كل هؤلاء فصول في دفتر الواجب الأخلاقي الأمريكي، وليتذكر العالم أنها بلا تعرفة على مجرة درب التبانة.
فها هو ترامب، يقف مرة أخرى كقائد أخلاقي في ساحة العالم، يوزع الإنذارات، يعيد ترتيب الدول، يحرك النفط، ويرسخ الشرعية المستوردة، ويعطي القانون الدولي درساً لطيفاً لكنه لا يُنسى: كل شيء قابل للتعديل، كل شيء مؤقت... وكل شيء تحت إشراف العم سام، حتى يحين الوقت الذي سيأتي فيه القانون ليعيد كتابة نفسه، إذا استطاع.
وفي النهاية، يظل الكوكب بأمان، بينما الرؤساء العاصون يتنقلون بين العقوبات والتاريخ والولايات المتحدة ودار الحق، والقانون الدولي يرقص على أطراف أصابعه، والعم سام يكتب واجباته الأخلاقية على صفحة الكون، ويبتسم لنفطه. وكل هذا، بلا أي غرامة للمجرة، لأن من يحمِي الكوكب، كما يبدو، لا يحتاج إلى إذن من أحد، إلا إلى كوب قهوة صباحي، رشفة نفط قبل أن يعود ليكتب الفصل التالي في كوميديا عالمية سوداء!

[email protected]