كلٌّ منا يحب أن يرى نفسه شخصاً صاحب مبادئ ثابتة، فنعتقد أن أفعالنا هي انعكاس لقناعاتنا ومبادئنا، فنحن لا نكذب، لأننا نؤمن بالصدق، ولا نؤذي الآخرين، لأننا نؤمن باللطف. ولكن، ماذا يحدث حين نتصرف يوماً ما عكس قناعاتنا؟ حين نكذب، أو نغش، أو نتخذ قراراً غير حكيم؟ هنا يستيقظ في عقولنا وحش مزعج، يسميه المختصون في علم النفس الاجتماعي: التنافر المعرفي. لتوضيح ذلك، إن العقل البشري لا يطيق التناقض، لا يستطيع أن يحمل فكرتين متعارضتين مثل: «أنا شخص ذكي» و«أنا قمت بتصرف أحمق»، ولذلك لكي يتخلص العقل من هذا الشعور النفسي، فإنه يقوم بحيلة دفاعية مدهشة، عوضاً عن أن يصحح الخطأ، يقوم بتغيير الحقيقة في رأسك لتناسب الخطأ.
أشهر تجربة كشفت عن هذه الحيلة بعبقرية هي تجربة ليون فيستنجر وجيمس كارلسميث عام 1959، والتي تعرف بتجربة «المهام المملة».
طلب الباحثون من المشاركين القيام بمهمة مملة جداً لتدوير مقابض خشبية لمدة ساعة، ثم طلبوا منهم كذبة محددة: أن يخرجوا ويخبروا الشخص الذي ينتظر في الخارج بأن التجربة كانت ممتعة للغاية. ولتحفيزهم، منحوا المجموعة الأولى 20 دولاراً مقابل هذه الكذبة، بينما منحوا المجموعة الثانية دولاراً واحداً فقط. الجميع قبلوا المال وخرجوا ليكذبوا على الشخص المنتظر، لكن المفاجأة ظهرت لاحقاً حين سأل الباحثون المشاركين سراً عن رأيهم الحقيقي.
وبينما اعترف أصحاب العشرين دولاراً بصدق أن التجربة كانت مملة، أصر أصحاب الدولار الواحد أمام الباحث على أن التجربة كانت ممتعة وشائقة بالفعل! والسر يكمن في التبرير العقلي، فصاحب العشرين دولاراً امتلك «مبرراً خارجياً» كافياً للكذب وهو المال، فلم يشعر بتناقض داخلي واحتفظ برأيه الحقيقي، أما صاحب الدولار الواحد فوقع في مأزق، إذ لم يكن الدولار سبباً كافياً يبرر له الكذب أمام نفسه، ولكي يهرب عقله من هذا «التنافر» المؤلم بين فعله ومبادئه، قام بخداعه وتغيير قناعته فوراً ليصدق أنه لم يكذب أصلاً، وأن المهمة كانت ممتعة حقاً.
هذا هو التنافر، قام عقلهم بتغيير القناعة تلقائياً، كأنه يقول أنا لم أكذب من أجل المال، لا بد أن المهمة كانت ممتعة فعلاً.
الدرس هنا ضروري للوعي بكيف نتعامل مع ذواتنا. نحن نبرر البقاء في مواضع نكرهها، أو تؤذينا، ونخترع قصصاً لنقنع أنفسنا بأننا سعداء، فقط لنتجنب ألم الاعتراف بأننا اتخذنا قرارات خاطئة. أحياناً تكون الحقيقة المؤلمة أكرم للنفس من الكذبة المريحة التي نشتري بها راحة بالنا، بدولار واحد.
[email protected]
خدعة العشرين دولاراً
5 يناير 2026 00:07 صباحًا
|
آخر تحديث:
5 يناير 02:33 2026
شارك