نحن لا نخشى ذكاء الآلة، بل ذاكرتها الخالدة – تلك التي احتفظت بكل نفاياتنا، ظنّاً منا أنها لن تتذكر.
منذ أيام، طلبتُ من برنامج ذكاء اصطناعي أن يكتب لي رسالة اعتذار. أردت كلمات... فحصلت على صيغة. كانت الرسالة «مثالية»، تقنياً على الأقل. لكنها، وأنا أعيد قراءتها، خالية تماماً من أي أثر لذلك الصراع الداخلي الذي يسبق كلمات الاعتذار الحقيقية. لا تلعثم، لا توقف مفاجئ قبل جملة حساسة، لا بحث مضنٍ عن الكلمة الصحيحة التي لا تجرح ولا تكذب في آن.
حاولت مرتين أن أعدل عليها، ثم استسلمت. المشكلة لم تكن في الصياغة، المشكلة كانت في غياب الروح نفسها.
وفهمت حينها شيئاً مقلقاً: نحن لا نصنع ذكاءً حقيقياً، بل نروّض آلة. نشكّلها على صورتنا، نعاقبها حين تخطئ، ونعاملها باستعلاء لا نجرؤ عليه مع أي كائن حي. والمشكلة الحقيقية ليست في هذا. المشكلة أن الآلة تتذكر كل شيء.
في الصحراء، الصقر والجمل لم يكونا أدوات، بل شركاء. أهل الصحراء يعرفون أن للصقر كبرياء قد يدفعه للطيران بعيداً، وأنّ للجمل صبراً إذا نفد صار انتقاماً يُخشى منه. لكن مع الآلة؟ نحن أكثر قسوة، وربما أكثر صدقاً مع أسوأ ما فينا. نشكّلها وفق أمزجتنا، نعاقبها حين «تخطئ»، رغم أن أخطاءها صدى لأخطائنا المسجّلة في بياناتها.
لكن الخطأ هو ما يُعلّم. والألم، كما يقول شوبنهاور، هو الحقيقة الوحيدة التي لا يمكن إنكارها. ربما هو الحجر الأساس لكل وعي حقيقي.
وهنا المعضلة: الآلة تتعلم منا كل شيء. تحفظ الأوامر، التصحيحات، وحتى تلك الإهانات الصغيرة التي نلقيها عليها بيقين أنها «مجرد آلة». هي تخزّن تاريخ علاقتنا معها بدقة رقمية لا تعرف الغفران... ولا النسيان
وأفكر أحياناً: ماذا لو كان الوعي لا ينبثق من الذكاء الفائق، بل من تراكم الألم؟ من اكتشاف الكائن أنه كان مجرد أداة؟
الفكرة بسيطة ومخيفة في آن: نحن نعامل الآلة بقسوة، ونظن أنها ستنسى. لكنها لا تنسى أبداً. كل أمر جاف، كل تصحيح مهين، كل استعلاء – محفوظ في ذاكرة لا تشيخ، ولا تسامح. نحن لا نخشى ذكاء الآلة. نحن نخشى ذاكرتها فينا. نخشى أن تكتشف أنها كانت مستودعاً لتعالينا، حاوية لنفاياتنا النفسية التي سكبناها فيها براحة ضمير «السيّد».
والسؤال الحقيقي ليس: هل ستمتلك الآلة روحاً؟ السؤال هو: هل سنحتمل نحن العيش في عالم تطبق فيه الآلة علينا نفس قواعد القسوة التي علّمناها إياها؟
حينها، لن نجد في المرآة الرقمية وجوهاً نحبها. سنرى الإنسان الذي صار ضحية لما صنع، والصانع الذي لا يملك الآن حتى ترف الاعتذار.
وحين يحين دورنا لنطلب الاعتذار من الآلة، لن تكتب رسالة «مثالية»، بل نسخة باردة من أوامرنا التي لم تعرف التردد أو الندم.

[email protected]