تعلّق الناس بالقمر منذ القدم بوصفه ظاهرة كونية أسطورية عجيبة، وهو تعلّق تاريخي ألهم البشر بسلسلة من المعتقدات الأسطورية والخرافية سواء عن الموت والبعث، والخصوبة، أو الغموض، وقد استمر هذا الأثر في الثقافات القديمة، تارة هو قمر على هيئة (إله) وتارة هو بوابة لعالم آخر، في حين فسره العلم كظاهرة فيزيائية له علاقة بالمد والجزر.
ولم يكن الأدب بعيداً عن هذه التأثيرات الثقافية والروحية والرمزية للقمر في الجانب العاطفي والوجداني، فهو رفيق الليل والشعراء والحكايات والقصص التي تلهب المخيلة، وهذا التعلق، انتقل إلى الروايات والقصص العالمية الباحثة عن المعنى والدلالات العميقة كالجمال، والحزن، والغموض، ومختلف الهواجس المتعلقة بالنفس البشرية.
في رواية «خادمة القمر» للأمريكي إدغار رايس بوروز، (بأجزائها الثلاثة ما بين 1919 و1926) شكّل القمر مادة خصبة لتغذية سردية الرواية التي صنفت تحت خانة الخيال العلمي، حيث يستولي الأشرار على القمر ثم الأرض.
أما «القمر القاتل» للكاتبة الأمريكية ن. ك. جيميسين، المولودة في عام 1972، وتدور أحداثها في مدينة جوجاره المستوحاة من مصر القديمة، هنا، نحن أمام كهنة قتلة يسمون ب «الجامعين»، يجمعون سحر الأحلام من أجل السلام، لكنهم يواجهون مؤامرة تهدد عالمهم وسحرهم المحظور. تشتهر «القمر القاتل» بنظامها السحري الفريد القائم على الأحلام، وعالمها الغني، واستكشافها لمواضيع مثل الواجب والفساد والحرب.
في الشعر، حدّث ولا حرج عن هذا الحضور المكثف للقمر برمزيته العالية، كان القمر عند الشعراء رمزاً للتأمل في أعماق النفس، كما في الشعر الرومانسي، وقد ارتقت صورته في الشعر العربي الحديث والمعاصر، ليتجاوز صورته المادية إلى أبعاد رمزية وفلسفية شتّى.
وهكذا، فقد كان القمر في الأدب مرآة للوجدان الإنساني، وكان مخزناً للرموز التي احتمت بها اللغة حين عجزت عن البوح المباشر، وعند القمر أودع الشعراء وحدتهم، وبه قاس العشاق مسافة الشوق، ومن نوره استعارت النصوص هدوءها وتأملها وإيقاعها البطىء، غير أن هذا الحضور الكثيف بدأ يخفت في الزمن الحاضر، لا لأن القمر تغير، بل لأن العين تغيرت، حيث أضواء المدن الصاخبة، وإيقاع الحياة المتسارع، وكلها حاصرت السماء، وحجبت دهشتها، فصار القمر كائناً عادياً في مشهد مزدحم بالإبهار المصطنع، ومع ذلك، لا يبدو أن رمزيته قد انطفأت تماماً، إنها انسحبت إلى الهامش، تنتظر لحظة صفاء نادر يعود فيها الإنسان إلى رفع رأسه، بحثاً عن ضوء قديم، صامت، يعرف كيف يكلم الروح، وتفتن خيوطه الفضية الألباب والمشاعر.
أبعد من القمر
6 يناير 2026 00:06 صباحًا
|
آخر تحديث:
6 يناير 00:06 2026
شارك