ألا تحتاج الثقافة العربيّة إلى مراكز بحوث ودراسات، لاستقصاء إمكانات التجديد والتطوير الهائلة، في الآداب والفنون؟ جرت العادة على ترك الإبداع للمبدعين، أو لمن يرون أنفسهم أهل إبداع، لكن المنطق يقضي بأن يقوم التطوير على البحث العلمي الدقيق، والاختبار والتحقيق، بالتالي، يتطلب الأمر جهداً نظرياً واختباراً منهجيّاً.
هذا الطرح نفسه يستدعي امتحاناً واقعياً، بالسؤال: ما هي أهم النظريات التطويرية في الشعر والموسيقى، التي انبنت على دراسات أكاديمية عميقة؟ ما هي الدلائل على أن هذين الميدانين المحوريين، كان نموّهما طبيعياً وارتقائياً على نحو مقبول، في العقود الخمسة الأخيرة؟ يجب فك الاشتباك بين أمرين، الأوّل هو أن القادرين على الإبداع هم المبدعون، ولا جدال في هذا، الثاني، هو أن البحث العلمي التطويري شأن مختلف، يتوقف على الدراسات النظرية. خذ مثلاً: اليوم، في استطاعة الباحثين في موسيقى الشعر، أن يستعينوا حتى بالذكاء الاصطناعي، في استنباط إيقاعات لم يعرفها شعراؤنا منذ الجاهلية. قدماؤنا أبدعوا ستة عشر وزناً، ولا يعرف أحد كيف انبثقت ونمت. من بينها عشرة بحور من ذوات التفعيلات المركّبة، فهل يُعقل أن تكون أبواب الابتكار التنويعي فيها قد أغلقت؟ المهم، هل حاولوا وجرّبوا وحققوا، وخابت المساعي؟ إذا صحّ ذلك، فلمَ لم تظهر جهود غيرها؟ ما يحزّ في النفس، ليس عدم استثمار جمائل الماضي وأفضاله، بالإضافة والتنمية، بل المؤسف الوقوف السلبي إزاء الانحدار التناقصي لإيقاعات الشعر: كانت قبل شعر التفعيلة، ستة عشر (ازدادت ثراءً بالمسمّطات والموشحات)، ثم تقلصت إلى ستة، ثم حدث تصفير الأوزان بالنصوص النثرية الحداثوية. هذه الشؤون نظرية، الأوْلى ببحثها وتمحيصها الباحثون لا المبدعون وحدهم. الإبداع يستطيع أن يلعب دوراً جوهرياً، ولا ريب.
السؤال الآخر: هل تقدر الأوساط الفنية على تقديم براهين ملموسة على أن الموسيقيين أبلوا بلاءً حسناً في أعمال تطويرية تهدف إلى حلّ لغز عقم الأشكال والأجناس الموسيقية في هذا المجال الحيوي؟ هل يعقل أن يحبسوا ذوق أربعمئة مليون عربي في شكل واحد، في هبوط مستمر، الأغنية؟ أين الألوان الغنائية الأخرى؟ وأين الموسيقى المستقلة، بشتى تشكيلات الآلات فيها؟
لزوم ما يلزم: النتيجة القياسية: ليس عيباً أن يتأمّل الموسيقيون العرب إنجازات الصينيين واليابانيين، موسيقياً، في إبداع التجديد والتطوير، من صميم الأصالة.
[email protected]