خالد راشد الزيودي*

في كل مرة يُفتح فيها ملف اليمن الشقيق، يتقدّم الضجيج على الحقائق، وتعلو الأصوات المتباينة حتى يكاد المشهد يُقرأ من زوايا مشوشة لا تعكس جوهره الحقيقي، تختلط التحليلات السياسية بالخصومات الجاهزة، وتتحول الوقائع أحياناً إلى مادة للجدل والانفعال بدل أن تكون مدخلاً للفهم والتقييم الموضوعي، وفي خضم هذا التشابك، يصبح من السهل على البعض أن ينجرف خلف الخطاب الصاخب، وأن يغفل عن المسار العام للأحداث ومعانيها الأعمق.
ومن هذا المنطلق، ظل الموقف الإماراتي متماسكاً، لا يتغير بتغير الحملات ولا يتأثر بمحاولات التشويش، هو موقف يعكس ثقة دولة بقيادتها وبشعبها، ويعبّر عن نهج سياسي يؤمن بأن خدمة الاستقرار ليست خياراً ظرفياً، بل التزاماً طويل الأمد. لذلك، لم يكن حضور الإمارات العربية المتحدة في المشهد اليمني طارئاً أو عابراً، بل امتداد طبيعي لدورها الإقليمي الذي يقوم على دعم الأمن والاستقرار والتنمية، والعمل بهدوء ومسؤولية.
الإمارات لم تكن يوماً دولة ردّات فعل، بل دولة رؤية، تعاملت مع اليمن باعتباره بلداً شقيقاً، لا ساحة صراع ولا ورقة تفاوض، ومن هذا المنطلق، جاء حضورها في مرحلة دقيقة من تاريخ اليمن استجابة لواجب عربي وإنساني، هدفه حماية الشعب اليمني من الانزلاق الكامل نحو الفوضى، ومواجهة أخطر ما هدد المنطقة في تلك المرحلة: التطرف والإرهاب والإسلام السياسي وتمدد العنف المنفلت من أي ضابط أخلاقي أو إنساني.
الدولة التي تقدّم أبناءها شهداء، وتدفع من رصيدها وسمعتها، لا تفعل ذلك بدافع المجازفة أو بحثاً عن مكسب، الإمارات دخلت اليمن بقرار سيادي مسؤول، مدركة لحجم التحديات، وواضحة في أهدافها، ومخلصة في التزاماتها. لم تتخفَّ خلف الشعارات، بل تحمّلت نصيبها من المسؤولية، كما تفعل الدول التي تعرف معنى الأخوّة ومعنى الأمن القومي العربي والخليجي.
وعندما أُنجزت المهام الموكلة، وعادت القوات الإماراتية إلى أرض الوطن مرفوعة الرأس، كان ذلك تعبيراً عن دولة تفي بالتزاماتها كما ترسمها، وتتحرك ضمن إطار واضح من التنسيق والوضوح والاحترام المتبادل مع الشركاء جميعاً، لم يكن في ذلك تبدّل موقف ولا تغير في القناعة، بل انسجام كامل مع نهج إماراتي ثابت يقوم على وضوح الهدف، واحترام القرار، والثبات على المبدأ، مع بقاء البوصلة موجّهة نحو أمن اليمن واستقراره.
الأكثر حضوراً في الدور الإماراتي كان البعد الإنساني، وهو بُعد لا يمكن فصله عن السياسة الإماراتية في المنطقة. فمنذ اللحظة الأولى، كان الإنسان اليمني في صلب الاهتمام، لا كعنوان إعلامي، بل كواقع ملموس على الأرض. مساعدات وصلت إلى القرى قبل المدن، مشاريع خدمية استهدفت حياة الناس اليومية، ودعم مستمر خفّف من قسوة الحرب وآثارها، في تعبير صادق عن نهج يرى أن الاستقرار يبدأ من كرامة الإنسان.
وفي هذا السياق، تبدو محاولات استغلال وسائل التواصل الاجتماعي لنشر الدعاية السوداء، أو بث معلومات كاذبة ومضلِّلة عن موقف الدولة – العظيمة بمواقفها والنبيلة بمعانيها - محاولات مكشوفة وفاقدة للأثر. أصحابها يتجاهلون حقيقة راسخة مفادها أن البيت الإماراتي متماسك، وأن العلاقة بين القيادة والشعب علاقة ثقة عميقة لا تُبنى في موسم، ولا تُهزّ بحملات إلكترونية عابرة. فالولاء والانتماء والإخلاص لقيادتنا الرشيدة ليست شعارات تُرفع عند الحاجة، بل قناعة وطنية ثابتة تشكّلت عبر تجربة دولة، أثبتت في كل محطة أنها أهل للثقة والمسؤولية، ومن يراهن على التشويش أو التشكيك، إنما يسيء تقدير وعي المواطن الإماراتي، ويغفل أن هذا الوطن يعرف قيادته جيداً، ويمضي معها بثبات، غير معنيّ بضجيج المنصات ولا بخطابات التضليل.
الحديث عن الإمارات في اليمن لا يكتمل من دون التوقف عند موقفها الواضح من التصعيد، فالدولة التي تؤمن بالسلام خياراً استراتيجياً، لا يمكن أن تكون طرفاً في إذكاء الفوضى أو تغذية الصراعات، دعوة الإمارات الدائمة إلى الحوار والتفاهم ليست خطاباً عابراً، بل موقف نابع من قراءة عميقة للتجارب، وإيمان بأن الحلول التي تحترم الإنسان هي الأقدر على الصمود.
قيادة دولة الإمارات، وفي مقدمتها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، جسّدت هذا النهج بوضوح، مستلهمة إرث المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، الذي جعل من نصرة الإنسان، أياً كان، قيمة عليا لا تخضع للمساومة، هذا الإرث لم يكن خطاباً عاطفياً، بل سياسة دولة انعكست في المواقف والقرارات والأفعال.
ما يُقال اليوم في لحظات التوتر لن يصمد طويلاً أمام حقائق التاريخ، فالتاريخ لا يحفظ الضجيج، بل يحفظ المواقف الصادقة. والإمارات، في سجل اليمن، ستُذكر بما قدمته من تضحيات، وبما رسّخته من قيم، وبما دافعت عنه من استقرار وأمل. أما محاولات التشكيك، فستبقى عابرة، ويبقى الإماراتي... إماراتياً وفياً لقيادته ووطنه.

[email protected]

*باحث دكتوراه في إدارة الأزمات والمخاطر