بعد ما جرى في فنزويلا وما انبنى عليه من توقعات لشكل العلاقات الدولية، يقول البعض إننا أمام ملامح عالم جديد يتشكل بقواعد سياسية جديدة، غير أن المخيف هو أننا نعود، وسط صمت أو تواطؤ أو تبادل مصالح، إلى عالم قديم منفلت من كل القيم والمبادئ الحاكمة.
نحن، بالأحرى، إزاء لا عالم، ولا قانون، وأقرب إلى شريعة القوة المنفردة التي لا تقيم وزناً لما استقر طويلاً من قواعد العلاقات الدولية، بما فيها من نزاعات وحروب باردة وساخنة تطول أو تقصر لحسم خلاف حول أمر ما أو السيطرة على دولة أو إقليم، وتتخللها إجراءات عدة كالتفاوض والوساطات والتهديد والإغراءات وخلخلة أنظمة حكم حتى تسقط بعد فقدان عوامل القوة، أو بمعاونة أطراف داخلية أو خارجية.
إن العالم الموشك على التشكل يُراد له السرعة في فرض إرادة الطرف الأقوى المتفرد بالقرار بمقدار ما تحتاج «البيتزا» من وقت لإعدادها وتناولها، ويراد له الإيمان بأن التهام زعيم أو دولة أمر لا يحتاج إلى عظيم جهد ولا دراسات تتحسب للنتائج وتفحص الاحتمالات على أوجهها المتنوعة.
لا مكان في العالم الجديد للتروي، ولا جولات النقاش والتفاوض، ولا حتى الانشغال بمراقبة حشود دولة تقترب من حدود أخرى لتغيّر شكل حكمها أو تغير على ثرواتها. لا أساطيل تتحرك، ولا استعداد للصدام بإجلاء الرعايا وغلق الممثليات الدبلوماسية وإبلاغ شركاء في العالم بأن أمراً جللاً سيقع.
يكفي الآن أن تراقب «مؤشر البيتزا» وهي تتقاطر على أماكن اتخاذ القرار في العاصمة المتفردة بالقوة والقرار، لتتوقع أن ضحية في موقع ما من العالم ستؤكل، ولائحة الاتهام تتسع لكل شيء، والمحاكمة والإدانة قابلتان للتبدل حسب الهوى.
لم يعد مطلوباً لاستهداف دولة أو وزعيم إقناع العالم بأنها تخزن أسلحة محرمة، ولا تؤوي جماعات إرهابية، ولا تمثل خطراً على الملاحة الدولية واقتصاد العالم. بحسب القاضي والجلاد أن يبدي السخط، فتنشط طلبات «البيتزا» وينتهي الأمر.
كل ما قيل عن تعدد الأقطاب، ومنع التفرد بالقرار العالمي، وعودة العلاقات الدولية القائمة على المبادئ القانونية، في حدها الأدنى على الأقل، يبدو غريباً الآن مع النزوع إلى تغيير شكل العالم أو إعادته إلى أزمنة الغطرسة التي تضع معايير خاصة للحق والباطل، فترى من يعجبها بعين الرضا ولو كان ظالماً، وتصوّب عين السخط إلى من يخالفها.
صحيح أن الثقة بالقوانين الدولية لم تكن مكتملة قبل بزوغ ملامح العالم الجديد، وأن أكثر من قضية تشهد باختلال المعايير والارتهان للمزاج السياسي لدولة أو مجموعة دول، لكن هذا لا يعني استسلام القوى والأقاليم الفاعلة لمساعي التفرد بالقرار وفرض منطق المصلحة الضيقة على الآخرين بالقوة والاستعراض.
القوى الكبرى، إن أرادت أن تستمر كذلك، في اختبار قاسٍ، فإما إثبات وجودها والدفاع عن المعنى الحقيقي للعالم، وإما تستسلم ل«مؤشرات البيتزا».
عالم «البيتزا»
6 يناير 2026 01:14 صباحًا
|
آخر تحديث:
6 يناير 01:14 2026
شارك