منذ أن دوت الحروف الأولى فوق رمال الصحراء، والشعر العربي يشكل ذاكرة الأمة وضمير وجدانها، مشكلاً وسيلة فنية لبناء الوعي العربي وحفظ التاريخ ونقل القيم التي شكلت الهوية العربية الأصيلة، فمن المعلقات السبع التي علقت على جدران البيت العتيق، مروراً بعصور الازدهار العباسي والأندلسي، بقي الشعر العربي سِجِلاً يدون ملامح التحولات التاريخية والثقافية في حياة العرب، وحتى حين خف بريقه في مراحل لاحقة أمام صعود فنون النثر والسرد وتحولات العصر، وجد الشعر دوماً طريقه ليعود متجدداً، منفتحاً على جوهر النفس البشرية، ومتجذراً في لغته الأولى التي تجمع ولا تفرق.
ولعل سر بقاء الشعر العربي على مدى القرون، هو تلك القدرة العجيبة على التجدد في الشكل من دون أن يفقد الجوهر، وعلى المحافظة على الإيقاع الداخلي للغة العربية وعاء الجمال والوجدان في آن واحد، ومهما تغيرت الأزمنة، يبقى الشعر العربي حالة إنسانية بامتياز، تجمع العاطفة والمعرفة، والغناء والفكر، والصحراء والمدينة.
لذلك، حين يكون الحديث عن تجديد الشعر وبعث روحه في الوجدان العربي، يصبح الوقوف عند مهرجان الشارقة للشعر العربي ضرورة لا يمكن تجاوزها، فقد تعدى المهرجان حدود الفعالية الثقافية التقليدية، ليغدو محطة رئيسية في مسار طويل من الإحياء والتجديد، وحافظة لهذا الكنز الإبداعي الذي شكل، ولا يزال، روح الثقافة العربية.
هذا العام ينطلق المهرجان في دورته الثانية والعشرين، مجدداً اللقاء ليحتفي باللغةِ والإحساسِ و الشعراءِ على مدى سبعة أيام، يجتمع أكثر من ثمانين مبدعاً من الشعراء والنقاد والإعلاميين من مختلف الدول العربية والإفريقية، في مشهد شعري متنوع يعبر عن ثراء المشهد اللغوي والفكري في عالمنا العربي، كما أن الدورة الحالية، بما تحمله من أمسيات وندوات فكرية، تضيف بعداً نقدياً يوازي جمال الكلمة، فلا تكتفي فقط بالاحتفاء بموسيقى القوافي، بل تسعى لأن تطرح الشعر العربي كمادة للحوار والفهم والتأمل.
من يعرف تاريخ الشارقة الثقافي يدرك تماماً أن المدينة لم تكتف بدور الراعي، حتى تحولت إلى حاضنة حقيقية لمبدعي العرب، ومنارة تضيء طريق الإبداع في زمن تُحدِث فيه طفرةُ التكنولوجيا وتأثيرات الذكاء الاصطناعي تحولات عميقة في مسارات الإبداع الإنساني، وهنا يبرز دور المهرجان الذي يؤكد أن الشعر يحتفظ بقدرته العميقة على أن يكون فعلاً حضارياً مشبعاً بالحياة والمعنى. وبذلك، يكرس رؤية الشارقة الثابتة بأن الثقافة ضرورة حياتية أصيلة تبني الوعي الجمعي وتحمي الهوية من تيارات العصر المتسارعة.
دورة هذا العام تفتح لنا عوالم شعرية رحبة بمشاركة مبدعين وشعراء من عدة دول إفريقية متنوعة، ما يرسم آفاقاً شعرية واسعة للغة العربية خارج حدود جغرافيتها التقليدية المألوفة، ويغني المشهد الإبداعي بأصوات جديدة متجذرة في تراث ثقافي غني تتحالف مع العربية في وجدانها المشترك العميق، كما أن الجوائز المصاحبة للمهرجان، مثل «القوافي الذهبية» و«نقد الشعر العربي»، تعد قيمة إضافية تربط بين الموهبة والبحث الأكاديمي، وتؤكد أن الإبداع لا يكتمل إلا حين يجد من يحتضنه ويصونه من النسيان.
الجميل في المهرجان أنه يمثل حالة امتداد روحي لإرث الإبداع الشعري، هو «عكاظ» جديد للشعر، يجدد الماضي ويحاوره بروح العصر، في تأكيدٍ على أن الشعر العربي، رغم تقلبات الزمان، لا يزال قادراً على لمس القلب والعقل معاً، فالجمال في النهاية هو الذي يوحد التجربة الإنسانية، ومهما طغت السطحية وثقافة الاستهلاك السريع على مشهد عصرنا، تأتي الشارقة لتذكرنا أن الشعر بصوته العذب والعميق لا يزال أصدق من يروي الإنسان للإنسان.
«عكاظ» جديد
6 يناير 2026 00:04 صباحًا
|
آخر تحديث:
6 يناير 00:04 2026
شارك