في أحد الصباحات الظبيانية، وعلى وقع الأجواء الجميلة في منطقتنا الآن، قررت الاستمتاع بروايتي التي أقرؤها في هواء السعديات الطلق، وبينما أقرأ الرواية توقفت عند مشهد بسيط: امرأة... أحبت بصدق، ورجل قرر أن يختار نفسه ويمضي. لا خيانة، لا إساءة، فقط قرار قيل عنه إنه «حقه الطبيعي».
أغلقت الكتاب، لا حزناً على الحكاية، بل ارتباكاً أمام الفكرة. بين حريته في الرحيل، وحقها في العلاقة . أيهما أَولى حين يتواجه حقان بلا خطأ واضح؟ وهل تقبُّل قرار الآخر يعني بالضرورة أن يتنازل أحد الطرفين عن حقه في أن يُوضع في الاعتبار؟
نحن نعيش زمناً يُقدَّس فيه مفهوم «تقبّل الآخر» بوصفه ذروة الأخلاق، حتى بات الاعتراض عليه قريناً للضيق أو التخلّف.
لكن متى تحول التقبل من قيمة تُوازن، إلى واجب يُفرض؟ ومتى أصبح احترام قرار الآخر مرادفاً للصمت عن الأذى الذي يخلفه قرار كهذا؟
قال الفيلسوف البريطاني جون ستيوارت ميل: «تنتهي حرية الفرد عند النقطة التي يبدأ فيها إضرارها بالآخرين».
في المجتمع، كما في العلاقات، لا تمارس القرارات في فراغ. كل اختيار شخصي، مهما بدا فردياً، يترك أثراً عاماً. وحين نطالب طرفاً بأن يتقبّل كل شيء باسم احترام الآخر، فإننا -دون أن نشعر- نمنح أحدهما حرية كاملة، ونجرد الآخر من حقه في الاعتراض، أو السؤال، أو حتى الحزن المشروع.
فقد تكون الأنانية عادية حين تُغلف بخطاب الحرية. فالقرار الذي يحرّر صاحبه، لا يُعفى أخلاقياً من مساءلة أثره.
المشكلة ليست في التقبل، بل في إطلاقه بلا حدود. فكما حذّر الفيلسوف كارل بوبر: «التسامح غير المحدود يقود في النهاية إلى اختفاء التسامح نفسه». وحين نتقبّل كل شيء، نفقد القدرة على حماية أي شيء، بما في ذلك ذواتنا.
أغلقت الرواية، لكن السؤال بقي مفتوحاً، اجتماعياً لا عاطفياً: هل نقبل الآخر لأننا نؤمن بالإنسان؟ أم لأننا اعتدنا، بصمت أنيق، أن نتنازل عن حقوقنا كي لا نتهم بالقسوة؟ أو عدم التحضر؟
ربما يبدأ تقبل الآخر من القلب، لكن عدالته لا تكتمل إلا حين لا يُقصي قلباً آخر.
فمتى يصبح تقبل الآخر فعل سلام، لا قلقاً مكتوماً، ولا تمريناً على الاحتمال،
بل اعترافاً متبادلاً بأن الحرية لا تزدهر إذا كانت تعيش على حساب حدود غيرها؟
حين تربكنا... الفضيلة!!
7 يناير 2026 00:38 صباحًا
|
آخر تحديث:
7 يناير 00:38 2026
شارك