في السنوات الأخيرة من القرن الماضي طرح عدد من الشخصيات الأوروبية، من اليمين والليبراليين على السواء، فكرة إعادة صياغة مفهوم «السيادة للدولة الوطنية». بل إن الأمين العام للأمم المتحدة وقتها كوفي أنان كاد أن يتبنّى الفكرة وكتب مقالاً في مجلة «الإيكونوميست» حينها بهذا المعنى.
كانت قطاعات من المنتشين بنهاية الحرب الباردة و«نهاية التاريخ» بمعنى تسيّد النموذج الغربي على العالم عبر قطب واحد هو الولايات المتحدة يسعون لتشكيل «نظام عالمي جديد» يكون فيه مساحة أكبر لما تسمى «المنظمات غير الحكومية» وأن تحل الجماعات الهامشية في الغرب بافكارها وأهدافها محل النظام العالمي الذي اتفق عليه ما بعد الحرب العالمية الثانية.
لم تناقش الفكرة في الأمم المتحدة، المنظمة التي تمثل النظام القديم، لأن من وراءها أدركوا أنها لن تمر. خاصة ما يتعلق بحق «التدخل الاستباقي في الدول ذات السيادة» تحت أي ذرائع يمكن اختلاقها بدعاوى مزيفة.
لكنّ أمريكا والغرب لم يكونا بحاجة لتعديل قانوني لمفهوم السيادة الوطنية ضمن مواثيق الأمم المتحدة وغيرها. ولعل في حرب غزو العراق مطلع هذا القرن دون أي سند من قانون دولي أو غيره كان الاختبار العملي لهذا التوجه في تجاوز مفهوم السيادة. على الرغم من المحاولات العنيفة لإضفاء إطار من الشرعية الدولية على ذلك التدخل في دولة ذات سيادة.
أصيبت الأمم المتحدة وغيرها من المنظمات التي تشكلت بعد الحرب العالمية بالضعف والاهتراء وأصبحت مجرد كيانات بيروقراطية لا تسمن ولا تغني من جوع في السياسة الدولية والنظام العالمي. وهيمن منطق القوة والتدخل في الدول ذات السيادة، بغض النظر عن الذرائع. ولم يعد الأقوياء بحاجة حتى لاستصدار قرارات أو غيرها من مجلس الأمن او ما شابه، ولا حتى معنية بتقديم أدلة وذرائع لتدخلها.
بغض النظر عن الموقف من الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، فإن التُّهم الأمريكية الموجهة اليه قد لا تختلف عن ادّعاء «أسلحة الدمار الشامل» العراقية الذي ثبت كذبه فيما بعد.
تصرف أمريكا في فنزويلا لا يختلف عما فعلته من قبل في بنما ونيكاراغوا وغيرهما من دول أمريكا اللاتينية التي تعتبرها «الفناء الخلفي». ومع التسليم بمصالح الأمن القومي الأمريكي، إلا أن إهدار أحد أهم أسس العلاقات الدولية وهو مفهوم السيادة الوطنية لا يمكن أن يكون الثمن.
إذ بعد ما فعلته أمريكا، هل يمكن لوم الصين مثلاً لو قامت بضم تايوان، التي تعتبرها جزءاً من أراضيها بالقوة العسكرية؟ أو هل يمكن معارضة قيام روسيا بتغيير النظام في كييف لضمان سيطرتها على المناطق التي احتلتها وضمها كما فعلت مع شبه جزيرة القرم؟ بالطبع لا.
صحيح أن النظام العالمي الذي ترسخ بعد الحرب العالمية الثانية وساد خلال الحرب الباردة والعالم ثنائي القطبية لم يعد صالحاً الآن. لكن أن تقوم بإزالة القديم، وبالقوة المسلحة دون ضوابط من أي نوع، قبل قيام نظام جديد يحل محله فأنت تفتح باب «الفوضى العالمية».
ليس هناك في السياسة «شراء خواطر» ولا قدر كبير من الشعارات الفارغة المعنى مثل الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان التي فقدت الكثير من معناها في العقود الاخيرة. لكنّ هناك حدّاً أدنى لتنظيم العلاقات بين البشر وكياناتهم ودولهم، إذا نزلت الإنسانية دونه فهي تدخل أخطر مرحلة في تاريخ وجودها على كوكب الأرض.
فالولايات المتحدة ليست أي دولة ولا أي قوة، بل هي القوة العظمى الوحيدة تقريباً وهي التي تفرض نموذجها على العالم سواء بالقوة الناعمة أو الخشنة. ومعنى أنها تشرعن التجاوز على مبدأ السيادة الوطنية فهي تفتح الباب أمام انهيار أهم أساس للنظام العالمي دون وجود بديل، أي أن تحوّل مبنى إلى خرابة حتى قبل أن تنصب خيمة لتأوي ساكنيه.
هل انتهى مفهوم السيادة؟
7 يناير 2026 00:37 صباحًا
|
آخر تحديث:
7 يناير 00:37 2026
شارك