القاهرة- رضا السميحيين 

انطلقت مساء السبت، في القاهرة، فعاليات الدورة السادسة عشرة لمهرجان المسرح العربي، وذلك تحت رعاية الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، بتنظيم مشترك بين وزارة الثقافة المصرية والهيئة العربية للمسرح، في إطار يعكس عمق الشراكة الثقافية العربية ودور القاهرة كحاضنة تاريخية للفنون المسرحية، ويستمر المهرجان حتى 16 يناير، بمشاركة عربية واسعة.

افتتح الدكتور أحمد فؤاد هنو، وزير الثقافة، وإسماعيل عبدالله، أمين عام الهيئة، الحفل على خشبة المسرح الكبير بدار الأوبرا المصرية، بحضور أكثر من 700 فنان وناقد عربي في مشهد ثقافي وفني يجسد نبض الإبداع المشترك، معززاً الروابط الفنية بين الدول العربية.

جاء حفل الافتتاح متزامناً مع اليوم العربي للمسرح، حيث استهلت الفعاليات بلوحة فنية استعراضية جسدت الدول العربية المشاركة في هذه الدورة، في عرض عبر عن وحدة الجغرافيا الثقافية العربية وتنوعها الإبداعي، وأسهمت فرقة المزمار المصري في إضفاء أجواء احتفالية لافتة، تفاعل معها الجمهور بحرارة، في مشهد جمع بين الفلكلور الشعبي وروح المسرح، قدمت الحفل الفنانة رانيا فريد شوقي، فيما تولى إخراجه الفنان خالد جلال، مستعيناً بأوركسترا موسيقية بقيادة المايسترو مصطفى حلمي.

*طفرات

في بداية الحفل صعدت لجنة تحكيم النسخة الثالثة عشرة من جائزة «الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي لأفضل عمل مسرحي عربي» إلى المنصة، برئاسة الفنان كامل الباشا، وعضوية كل من يوسف الحمدان، وعلي مهدي، ود.مرشد راقي، وندى حمصي، ومقرر اللجنة علي الفلاح، تلا ذلك إلقاء د. سامح مهران، كلمة اليوم العربي للمسرح، والتي جاءت مؤكدة أهمية المسرح في حياة الفرد المعاصرة، خصوصاً في ظل الطفرات التكنولوجية التي نشهدها اليوم.

وأكد مهران في كلمته أن المسرح يظل، في جوهره، ابناً لعصره، يتفاعل مع سياقاته السياسية والاجتماعية والمعرفية، ولا ينفصل عن علاقته بالسلطة وأنماط إنتاج المعرفة. واعتبر أن العملية المسرحية، في أحد أبعادها الأساسية، تقوم على تفكيك الخطابات السائدة وكشف البنى التي تنتج ما ينظر إليه بوصفه «معرفة» أو «حقيقة».

وأشار إلى أن المسرح يشترك مع الفلسفة في كونه فعلاً نقدياً بامتياز، يقاوم المسلمات ويزعزع البديهيات، ويمنح الذات الإنسانية فرصة لإعادة اكتشاف نفسها، بما يمكنها من ممارسة حريتها حتى في ظل أكثر الشروط قسرية. وفي قراءة للواقع المعاصر، حذر مهران من تداعيات العزلة التي فرضتها تقنيات الاتصال الحديثة، والتي أسهمت في انتزاع الإنسان من محيطه الاجتماعي، ودفعته نحو عوالم افتراضية تعمق من مظاهر الاستلاب الجماعي، وتحد من إمكانات الفعل والتغيير.

*اعتزاز

في كلمته، استهل الكاتب إسماعيل عبدالله، حديثه بنقل تحيات صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، والرئيس الأعلى للهيئة العربية للمسرح، مؤكداً اعتزاز سموه العميق بالمسرحيين العرب، بوصفه كاتباً ومفكراً وصاحب رسالة اليوم العالمي للمسرح عام 2007، ورسالة اليوم العربي للمسرح عام 2014، مشيراً إلى أن اجتماع المسرحيين العرب على أرض الكنانة يمثل عيداً مسرحياً كبيراً.

ووجه عبدالله شكره وتقديره إلى الرئيس عبدالفتاح السيسي على رعايته الكريمة لهذه الدورة، معتبراً أن هذه الرعاية تعكس المكانة المتقدمة التي بات يحتلها المسرح ضمن مؤشرات البناء الثقافي الجديد، وقال: «إن مصر التي نراها اليوم تبعث المجد من جديد، وتتخذ من المستقبل أفقاً للتجديد، ونفخر بأن يكون مهرجاننا، في ظل هذه الرعاية، إحدى الصور المضيئة التي يشرق بها عام 2026».

كما أعرب عبدالله عن امتنانه لوزير الثقافة الدكتور أحمد فؤاد هَنو، مثمناً ما يقدمه من دعم وجهود متواصلة، ووجّه الشكر للمنسق العام للمهرجان الفنان خالد جلال، ولأعضاء اللجنة التنسيقية من رؤساء القطاعات والهيئات والمؤسسات التابعة للوزارة، إضافة إلى مديري المسارح والعاملين بها، تقديراً لما بذلوه من جهد كبير في الإعداد لهذه الدورة، لتخرج في أبهى صورها.

وأشار عبدالله إلى أن هذه هي المرة الثالثة التي تحتضن فيها مصر مهرجان المسرح العربي، إذ استضافته في دورته الأولى عام 2009، ثم عاد إليها في دورته الحادية عشرة، وها هي تستقبله اليوم في دورته السادسة عشرة، بما يؤكد أن علاقة مصر بالمهرجان والمشاركين فيه هي علاقة الأم بأبنائها. ووجه التحية إلى جميع العاملين من فنيين وتقنيين، واصفاً إياهم بالجنود المجهولين الذين يعملون بإتقان وتفانٍ، ليبدع غيرهم، ويجني الجمهور ثمار هذا الجهد.

وأوضح أن الهيئة تمثل بيتاً جامعاً لكل المسرحيين العرب، لافتاً إلى أحدث مبادراتها، وفي مقدمتها جائزة التميز المسرحي للشباب، والمهرجان العربي للمسرح المدرسي، اللتان تنطلقان خلال عام 2026، مؤكداً أن كل دورة من دورات المهرجان هي ابنة زمانها ومكانها وإنسانها، وتستفيد من سابقاتها ومن روح عصرها، وتسعى إلى التقاط اللحظة ورسم ملامح فجر مسرحي جديد.

واختتم عبدالله كلمته بالقول: «هنا مصر، مآذن وقباب وأهل وأحباب، ومحبة بلا حساب. هنا النكتة حالة تراجيدية يواجه بها البسطاء صعوبات الحياة. هنا نحيّي أرواح زكي طليمات، وجورج أبيض، ويوسف وهبي، ونجيب الريحاني، وعلي الكسار، وأحمد شوقي، وسيد درويش، وسلامة حجازي، وأمينة رزق، وشكوكو، وبديع خيري، وعادل خيري، وعبدالرحمن الشرقاوي، وكرم مطاوع، وسعد أردش، وسعد الدين وهبة، وتوفيق الحكيم، ويوسف إدريس، وسميحة أيوب، وسمير سرحان، وفوزي فهمي، ومحمد عناني، ونهاد صليحة، ولينين الرملي، وألفريد فرج. ونحيّي شهداء بني سويف الأبرار، ونلوح بالتحية للقادمين من النجوع والأرياف وقصور الثقافة، فهؤلاء هم خيرة أهلها المسرحيين».

*الدورة الأكبر

من جهته، أكد الدكتور أحمد فؤاد هنو أن انعقاد المهرجان في القاهرة يجدد التأكيد على مكانة مصر كعاصمة دائمة للثقافة العربية، وكمركز تاريخي للفنون والإبداع.

ورحب الوزير بضيوف مصر من الفنانين والنقاد والباحثين، مشيراً إلى أن هذه الدورة تعد الأكبر في تاريخ المهرجان، بمشاركة أكثر من 700 مبدع عربي. وأكد حرص وزارة الثقافة على دعم الحراك المسرحي العربي، وتوفير المناخ الملائم لازدهاره، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن الفنون، وفي مقدمتها المسرح، تشكل ركيزة أساسية في بناء الإنسان وتعزيز قيم الجمال والتسامح والانفتاح.

وأعلن الوزير أن فعاليات هذه الدورة ستمتد إلى عدد من المحافظات المصرية، في إطار السعي لتوسيع قاعدة التلقي المسرحي، كما ستختتم، وللمرة الأولى، بملتقى لفنون الدمى، بما يفتح آفاقاً جديدة للتجريب والتنوع داخل المشهد المسرحي العربي.

*تكريم

واختتم حفل الافتتاح بتكريم 17 شخصية مسرحية بارزة، تقديراً لإسهاماتها في إثراء الحركة المسرحية المصرية والعربية، من بينها محمد صبحي، وفردوس عبدالحميد، وأحمد بدير، وناصر عبدالمنعم، وعصام السيد، وأبوالحسن سلام، وفاطمة المعدول، ونهى برادة، وسميرة محسن، وأحمد شيحة، وأسامة أبوطالب، وجلال حافظ، وعباس أحمد، وعبدالرازق حسين، وبهيج إسماعيل، وعبلة الرويني، ومراد منير.

كما شمل التكريم خمس جهات مسرحية كان لها دور محوري في نهضة المسرح المصري، هي المسرح الكنسي، والجمعية المصرية لهواة المسرح، ونوادي المسرح بالهيئة العامة لقصور الثقافة، ومركز الإبداع الفني، وفرقة الورشة، في إشارة واضحة إلى أهمية العمل المؤسسي والجماعي في ترسيخ التجربة المسرحية.