تزايدت في الآونة الأخيرة شكاوى سائقي المركبات في الإمارات، من ممارسات مخادعة ومشبوهة داخل بعض ورش صيانة السيارات، تتمثّل في غياب الشفافية، وتفاوت الأسعار بين ورشة وأخرى، ما يحوّل الصيانة، الطارئة أو الدورية، إلى مصدر قلق بدلاً من طمأنينة. وبين استبدال قطع سليمة بأخرى تجارية منخفضة الجودة، وتضخيم الأعطال لفرض أعمال غير ضرورية، وصولاً إلى ممارسات أخطر تمس سلامة السائقين، تتسع دائرة التلاعب والأساليب المخادعة المبتكرة في السوق.

خبراء ومديرو مراكز صيانة أكّدوا ل«الخليج»، أن المشكلة أكبر مما تبدو، إذ تظهر الفحوص الشهرية أن ما يقارب 15%-20% من السيارات تحمل مؤشرات أعمال مشبوهة، أو صيانة غير مبررة. لافتين إلى أن السائقين يدفعون الثمن من مالهم، وربما من سلامتهم، في سوق تتكرر فيه قصص الخداع بأساليب تتجدّد مع كل زيارة للصيانة.
وأوضحوا أن الفحص المستقل، قبل وبعد الصيانة، إلى جانب الفواتير التفصيلية والتوثيق الواضح، يمثل خط الدفاع الأول للسائقين ضد الغش، وطالبوا السائقين باللجوء إلى الجهات المختصة لتحصيل حقوقهم المكفولة لهم.

ممارسات شائعة


أكد مازن أبو جبارة، مدير مركز الفخامة لفحص المركبات، أن التلاعب في ورش الصيانة لا يزال يشكل تحدياً للسائقين في الإمارات، مشيراً إلى أن أكثر الممارسات شيوعاً تشمل استبدال قطع سليمة، أو تركيب قطع تجارية منخفضة الجودة من دون إبلاغ العميل، إضافة إلى المبالغة في وصف الأعطال.


أضاف أن نحو 15 إلى 20% من السيارات التي تخضع للفحص تظهر عليها مؤشرات أعمال صيانة غير مبررة، أو تلاعب سابق، مع ارتفاع النسبة في السيارات المستعملة، أو التي خضعت لصيانة متكررة خلال فترة قصيرة. موضحاً أن تمرير القطع التجارية على أنها أصلية يُعد من أكثر الممارسات تضليلاً، إلى جانب استخدام المصطلحات الفنية المعقدة، أو المبالغ فيها، لإرباك السائق ودفعه إلى الموافقة السريعة، ما يمثل خطراً كبيراً.
وأضاف: «وصلتنا حالات خطرة، مؤخراً، أبرزها تركيب مقاومة كهربائية تخفي عطل الوسائد الهوائية، حيث أظهر الكومبيوتر أنها موجودة وهي لم تكن كذلك، ما يشكّل ضرراً على حياة السائق. بعض الورش تعمل أيضاً على تصليح المحرك والجير وعدم استبدالهما، وتتقاضى ثمناً على أساس انه تم استبدالهما. كما أن آخرين يعملون على تركيب جلد مطاطي أسفل كراسي الماكينة التي تحتاج إلى تبديل، على أساس انه تم تغييرها. كما يستخدمون مادة السليكون الرخيصة داخل بعض القطع بعد سحب حشوة ثمينة من داخلها وبيعها، من دون علم العميل».

سلامة السائقين


أوضح أبو جبارة أن هذا التلاعب يهدد سلامة السائقين والركاب، خصوصاً عندما يتم تغيير قطع مرتبطة بالفرامل، أو وضع أخرى أقل جودة، مؤكّداً تسجيل حالات فعلية لسيارات فوجئ أصحابها بفاتورة مضاعفة بعد صيانة لم تعالج العطل الأصلي، ما يعكس أهمية الفحص المستقل، قبل وبعد أي صيانة.
وأضاف أن السائقين يمكنهم حماية أنفسهم من خلال خطوات عملية بسيطة، مثل تصوير السيارة قبل الصيانة، طلب قائمة دقيقة بالقطع المستبدلة، والحصول على تقرير مكتوب عن الأعمال المنفذة. مشدداً على أن السيارات الحديثة والكهربائية تتطلب أدوات فحص متقدمة، ما يزيد من أهمية مراكز الفحص المتخصصة، مشيراً إلى أن التعاون بين المراكز والجهات الرقابية في فرض معايير فحص موحدة، يمثل خطوة أساسية لتعزيز الشفافية والحد من التلاعب.
وتابع: «كلما زادت الشفافية في الصيانة، تراجعت فرص التلاعب، كما أن الفحص المستقل مهم، قبل وبعد أي صيانة، مع التركيز على أنظمة السلامة، والفرامل، والتكييف، إضافة إلى التأكد من مطابقة القطع المركبة لمواصفات السيارة، كل هذا يقلل من احتمالات التلاعب».

أساليب التلاعب


أكد محمد محفوظ، مهندس الصيانة، أن بعض الورش ما زالت تلجأ إلى أساليب غير نزيهة بهدف زيادة أرباحها، مشيراً إلى أن أكثر أساليب التلاعب تشمل فرض أعمال صيانة عاجلة غير مطلوبة، وتأخير تسليم السيارة لإجبار العميل على دفع مبالغ إضافية، واستبدال قطع قديمة بأسعار مبالغ فيها تحت ذرائع السلامة، بهدف الاستفادة من جهل العميل بالمواصفات الفنية.
وأوضح أن نحو 15% من السيارات المستعملة تظهر عليها علامات تلاعب واضحة، لافتاً إلى أن السيارات التي تمت صيانتها في أكثر من ورشة تكون أكثر عرضة لهذه المشكلات. وأن بعض الورش تلجأ إلى وصف الأعطال بطريقة مبهمة، أو استخدام مصطلحات تقنية معقدة لإيهام السائق بأن المشكلة خطرة، ما يدفع العميل إلى الموافقة بسرعة على أعمال ربما يمكن تأجيلها، أو الاستغناء عنها.
وتابع: «السائقون يمكنهم تقليل هذه المخاطر عبر طلب تقرير مفصّل عن أعمال الصيانة، ومراقبة القطع المستبدلة، والتأكد من التوقيت والدقة في إجراء الصيانة، خصوصاً عند تبديل أنظمة الفرامل والمحرك، حيث يمكن لأي تلاعب أن يؤدي إلى مشكلات كبيرة على المدى الطويل».

تباين الأسعار


قال إبراهيم أبو ذكرى خبير السيارات، إن نسبة التلاعب تختلف بين الورش الصغيرة في الأحياء، والورش الكبيرة، مشيراً إلى انه غالباً ما تكون الورش الصغيرة أكثر عرضة لممارسة أساليب غير شفافة، بينما تتميز الورش الكبيرة بمستوى أعلى من التنظيم، موضحاً أن ذلك لا يعني غياب أيّ مشكلات في الورش الكبيرة.
وأوضح أن التباين والفارق الكبير في فاتورة نفس العطل بين ورشة وأخرى يعود إلى اختلاف قدرة الفنيين على تقييم الأعطال، وسعر القطع المستخدمة، وطريقة حساب أجور العمالة. لافتاً إلى أن المؤشرات التي تكشف الفواتير المبالغ فيها، تشمل زيادة عدد القطع المستبدلة، أسعار أعلى بكثير من السوق، ووجود أعمال غير متوافقة مع العطل المعلن، كما شدّد على أن غياب الفاتورة التفصيلية يمثل ثغرة سهلة تُستغل لمصلحة الورشة.
وأضاف أن طلب السائق للقطع المستبدلة هو حقه القانوني، ويجب أن يكون ضمن الفاتورة، أو تقرير الصيانة، مشدداً على أن الشفافية والمطالبة بالتوثيق هما الطريقة الأكثر فعالية لضمان حماية السيارة وسلامة العميل.
وختم حديثه مؤكّداً أن القانون في الإمارات يُلزم الورش بتقديم فواتير، وضمان الإصلاح والقطع المستبدلة، وتوثيق حالة السيارة قبل العمل، مع إمكانية تقديم شكاوى عبر منصات حكومية مثل وزارة الاقتصاد، وهيئات حماية المستهلك.

سيف الحمادي: برمجة وهمية مكلفة لأعطال بسيطة


أوضح سيف الحمادي، مؤسس مركز EV GATE لصيانة المركبات الكهربائية، أن بعض الورش تُدرج في الفواتير بنوداً تشير إلى ضرورة استبدال عدة أجزاء في السيارة، في حين يتم فعلياً استبدال جزء أو جزأين فقط، من دون تغيير باقي القطع المذكورة.
ولفت إلى حالات أخرى في السيارات الكهربائية، تكون المشكلة فيها بسيطة، ولا تتطلب أكثر من إعادة ضبط عبر الكمبيوتر، إلا أن بعض الورش غير المتخصصة تلجأ إلى تفكيك أجزاء حساسة مثل البطارية، ما يؤدي أحياناً إلى إتلاف مكوناتها، ورفع كلفة الإصلاح بشكل كبير.
وأضاف: «غياب المنافسة وتبادل المعلومات في سوق كهرباء السيارات، يفتح الباب أمام استغلال العملاء عبر تضخيم الأعطال، واستخدام مسميات تقنية كبيرة لتبرير رسوم مرتفعة».