كانت مناسبة جميلة وثرية ومكسباً بالغ الأهمية، هي تلك التي هيأها متحف المستقبل بالتعاون مع جائزة «نوابغ العرب»، من خلال الدعوة لحضور أولى جلسات ملتقى المعرفة، الذي يجمع نخبة من العلماء والمفكرين العرب الحائزين على الجائزة.


كانت أولى جلسات هذا الملتقى مع الروائي واسيني الأعرج، الذي يعد أحد أهم الكتاب العرب على الساحتين المحلية والعالمية، وكان النقاش حول أثر التحولات الثقافية والتقنية لعصرنا على الكتابة والإبداع وأسئلة الهوية، أيضاً كيفية توظيف التقنية‏ وأدواتها مثل الذكاء الاصطناعي لدعم الفعل الإبداعي. والأدب، ليس عبارة عن كلمات، بل جسور تمتد عبر الزمن لتصل الأجيال بعضها ببعض. ومن حسن حظي، وفي هذه السن المبكرة من رحلتي مع الكتابة والتأليف، أن وجدت نفسي في حضرة قامة روائية سامقة، وأديب لم تزده السنوات في مجال الكتابة والتأليف إلا تواضعاً وإبداعاً: الأستاذ القدير واسيني الأعرج.


لم يكن اللقاء صورة توثق لحظة عابرة، بل كان بمثابة ورشة عمل مصغرة، اختزلت سنوات من الخبرة في كلمات مشجعة ونظرة أبوية حانية تؤمن بأن جيل اليافعين والشباب هو الامتداد الحقيقي للحكاية العربية. خلال حديثي مع الأستاذ واسيني، لمست فيه ذلك الأديب الذي لا يعيش في برج عاجي، بل ينحاز دوماً للإنسان بصفة عامة، وللشباب وللطموح. لقد علمني هذا اللقاء أن الكاتب والمؤلف الحقيقي هو من يمتلك قلباً يتسع لأحلام الآخرين بقدر ما يتسع خياله للقصص والحكايات.


لقد اتضح لي أن شغف الكتابة يجب أن ينمو ويستمر، وأن الكاتب مهما صغر، لا بد أن يشق طريقه بمهارة وجسارة في عالم يضج بالمتغيرات، ولقد كانت نصائحه بوصلة أهتدي بها في مساري القادم. وبعد هذا اللقاء مع الروائي واسيني الأعرج، أجد أن أهم رسالة يمكن أن أوجهها لكل موهبة شابة: لا تترددوا في الاقتراب من الكبار، ففي جعبتهم مفاتيح الأبواب التي نحاول فتحها. وأيضاً لا تتوقفوا عن الكتابة والتأليف؛ لأن الأدب يبدأ بالقراءة، وينضج بالمحاكاة، ويستمر بالاستمرارية والدعم الذي يقدمه لنا هؤلاء العظماء. لقد غادرت ذلك اللقاء وبحوزتي طاقة جديدة، وإيمان أعمق بأن الحلم الذي بدأ بكلمة سيستمر بكلمة، وسينمو تحت ظلال هؤلاء المبدعين الذين لم يبخلوا علينا يوماً بجمال روحهم وعمق فكرهم.


وأعتقد أنني مدينة بالكثير من الشكر والعرفان لمتحف المستقبل والقائمين عليه، وجائزة «نوابغ العرب»، والقائمين عليها، على هذه الفعالية، والإنتاج المعرفي والحضور الثقافي، ومنحنا الفرص المتوالية للقاء هذه الكوكبة من العلماء والمبدعين، لنستلهم الخبرة، ونستفيد من التجارب والمعارف.

حفصة سرور

www.hafsahsuroor.com