د. أيمن سمير
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مغرم بالتاريخ، وخصوصاً ب«رسالة الوداع» التي كتبها المؤسس، والرئيس الأول جورج واشنطن في العام الأخير من ولايته الثانية في 17 سبتمبر 1796 بولاية فيلادلفيا.
American Daily Advertiser
أهمية «خطاب الوداع» الذي كتبه الرئيس جورج واشنطن قبل نحو 230 عاماً أنه تضمن أبرز النصائح لمن سيخلفوه، وفي مقدمة هذه النصائح أن يبتعد الرؤساء الأمريكيون عن الخلافات والحروب الأوروبية التي كانت تدور بين فرنسا وبريطانيا وأسبانيا والبرتغال، ودعاهم للتركيز فقط على نصف الكرة الغربي وتوطيد الاتحاد الداخلي، وهي النصائح التي صاغها الرئيس الأمريكي جون آدمز عندما كان وزيراً للخارجية في عهد الرئيس جيمس مونرو، وهو ما بات يعرف «بمبدأ مونرو».
منذ عودته للبيت الأبيض في 20 يناير الماضي يعمل الرئيس دونالد ترامب على «إحياء وتحديث مبدأ مونرو» عبر سلسلة من المسارات التي تبدأ ب «المنح والمنع»، «والدبلوماسية القسرية»، وتمر بالتهديد والحصار والعقوبات، وصولاً إلى رفع شعار تغيير الأنظمة، واعتقال الرؤساء الذين يعترضون طريق البيت الأبيض، والهدف في النهاية هو إبعاد أي قوة دولية أخرى مثل روسيا والصين عن 33 دولة في أمريكا اللاتينية والكاريبي.
لدى ساكن البيت الأبيض رؤية تقوم على إنجاز «هندسة جديدة» تضمن المصالح الحصرية لواشنطن في كل الأراضي التي يحميها المحيط الأطلنطي من الشرق، والمحيط الهادئ من الغرب، وبدأت هذه الخطوات بإجبار حكومة بنما على الانسحاب من «مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتسليم الموانئ التي تشرف على قناة بنما إلى الشركات الأمريكية، ثم «عملية العزم المطلق» التي جرت في 3 يناير الجاري، وتم خلالها القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس، ولا تبتعد المطالبات الأمريكية بالسيطرة على جزيرة جرينلاند عن رؤية وفلسفة حماية نصف الكرة الغربي، وتحويله إلى ساحة حصرية للنفوذ والمصالح الأمريكية، فإلى أي مدى يمكن أن تصل هذه السياسة التي يشرف عليها ويهندسها ماركو روبيو وزير الخارجية الأمريكي الذي ينحدر من أصول كوبية؟، وما هي المسارات التي يمكن أن يسلكها المكتب البيضاوي لتبرير وتجميل سياسته الجديدة في الكاريبي وأمريكا اللاتينية؟، وما هي أوراق الرفض أو الاعتراض التي تملكها الدول والأنظمة المعارضة لواشنطن في الكاريبي وأمريكا اللاتينية؟
10 مسارات
تتنوع الأدوات التي يستخدمها البيت الأبيض لتحقيق أهدافه في نصف الكرة الغربي ما بين «الأدوات الناعمة» مثل مبادلة الديون، والاستثمارات، والدعم الدبلوماسي على الساحة الدولية، و«الأدوات الخشنة» التي تأخذ أشكالاً كثيرة منها الحصار البحري، والاتهامات بتهريب البشر والمخدرات، وحتى التلويح بالعقوبات الاقتصادية، والتهديد المباشر بتغيير الأنظمة والحكومات.
وتحليل الخطاب السياسي والإعلامي للإدارة الأمريكية يقول أنها تنوي العمل على 10 مسارات رئيسية لتحقيق أهدافها في هذه المنطقة، وهذه المسارات هي:
أولاً: قوانين «هيلمز - بيرتون»
هي قوانين صدرت عام 1996، وتسمح للولايات المتحدة برفع دعاوي قضائية ضد الشركات التي تعمل في الأصول الأمريكية التي صادرتها حكومات في أمريكا اللاتينية والكاريبي منذ تأميم كوبا عام 1959 للأصول والأملاك الأمريكية، ومنذ تأميم الرئيس الفنزويلي هوجو شافيز لأصول شركات النفط الأمريكية عام 1999، وبموجب هذا القانون الذي صدر منذ عام 1996 تخشى الشركات العالمية الاستثمار في الدول التي صادرت ممتلكات أمريكية، وهو ما أضعف بشكل كبير اقتصاديات هذه الدول التي باتت تعتمد فقط على الاستثمارات الصينية والروسية والإيرانية.
ثانياً: تغيير الأنظمة
ظل التدخل الأمريكي المباشر أو غير المباشر لتغيير الحكام والأنظمة في النصف الغربي من الكرة الأرضية هو «العنوان الرئيسي» للعلاقات بين البيت الأبيض وهذه الدول طوال أكثر من 100 عام حيث تدخلت واشنطن 41 مرة في الفترة من 1898 وحتى 1994 لتغيير الأنظمة في الكاريبي وأمريكا اللاتينية، وهذه التدخلات أفضت إلى تغيير عدد من أنظمة الحكم «غير الصديقة» لواشنطن، تنوعت بين التدخل العسكري المباشر، أو الدعم السري من المخابرات الأمريكية للمعارضة حيث كان هناك 17 مرة تدخل مباشر، و24 مرة تدخل غير مباشر، ويكشف مشهد العلاقات الأمريكية مع الكاريبي وأمريكا اللاتينية طوال العقود الماضية أن البيت الأبيض نجح في الإطاحة برئيس جواتيمالا جاكوبو أربينز عام 1954، والإطاحة بالرئيس البرازيلي اليساري جواو جولار عام 1964، والإطاحة بالرئيس التشيلي سلفادور أليندي ودعم غريمه أوغستو بينوشيه عام 1973، والإطاحة برئيس بنما الأسبق مانويل نورييجا عام 1989، وخطف واعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في 3 يناير الجاري، ولهذا تشعر الأنظمة الشيوعية في كوبا ونيكاراجوا وكولومبيا أن الولايات المتحدة تستعد بالفعل للإطاحة بها في أقرب وقت.
ثالثاً: السيناريو البنمي
تقوم استراتيجية البيت الأبيض على «إغلاق» دول الكاريبي وأمريكا اللاتينية في وجه أي تعاون مع روسيا والصين، ولهذا رفع الرئيس ترامب سقف مطالبه باستعادة «قناة بنما» قبل أن يعود ويقبل بخروج بنما من مبادرة «الحزام والطريق» التي أطلقها الرئيس الصيني شين جين بينج عام 2013، وأجبر الحكومة البنمية على إنهاء تعاقدها مع الشركات الصينية التي كانت تدير الموانئ على جانبي» قناة بنما «من الشرق والغرب، كما أن تغيير توجهات نظام الحكم في فنزويلا سوف يؤدي تلقائياً إلى تحجيم التعاون الاقتصادي والعسكري بين كاراكاس من جانب، وموسكو وبيجين من جانب آخر، وهو ما يعني الحصول على كل الأهداف الأمريكية بأقل ثمن، فعملية «الحزم المطلق» لم تكلف الجيش الأمريكي أي قتيل ليلة 3 يناير الجاري، وفي الحالة البنمية قادت التهديدات الأمريكية العلنية باحتلال قناة بنما، واستردادها بالقوة إلى تحقيق كل الأهداف الأمريكية دون أي تلفة حقيقية على الولايات المتحدة
رابعاً: «قطع الشرايين»
تدرك الولايات المتحدة حجم وعمق المشاكل الاقتصادية التي تعانيها الأنظمة المناوئة لها خاصة في كوبا ونيكاراجوا وكولومبيا وبوليفيا، فعلى سبيل المثال كانت كوبا تحصل على نحو 100 ألف برميل من النفط الفنزويلي يومياً، وتراجعت هذه الكمية إلى نحو 50 ألف برميل في الفترة الأخيرة، ويرى البيت الأبيض أن السيطرة على النفط الفنزويلي، وعدم إرساله إلى كوبا يعني سقوط النظام الكوبي من الداخل، وهو سيناريو يمكن أن يتكرر كذلك مع نيكاراجوا وكولومبيا، وأي دولة أخرى تعارض النهج الأمريكي في نصف الكرة الغربي، وتقوم استراتيجية «قطع الشرايين» على وقف أي دعم أو مساعدة أمريكية لتلك الدول، وخير مثال على ذلك طلب الولايات المتحدة من بوليفيا طرد كل العناصر الإيرانية التي لديها، وتصنيف الحرس الثوري الإيراني، وحركة حماس الفلسطينية، وحزب الله اللبناني باعتبارها منظمات إرهابية
خامساً: «محاصرة المد الوردي»
هناك حقيقية يعرفها الجميع في واشنطن بأن كل الأنظمة التي تناوئ واشنطن في حديقتها الخلفية هي أنظمة يسارية شيوعية، بينما لا توجد خلافات عميقة بين البيت الأبيض والأنظمة المحافظة أو أنظمة الوسط، ولهذا يتبنى الرئيس ترامب ووزير خارجيته ماركو روبيو استراتيجية واضحة وعلانية وهي دعم الأحزاب والشخصيات المحافظة للوصول إلى الحكم، وإسقاط كل الحكومات اليسارية والشيوعية في أمريكا اللاتينية والكاريبي وهي السياسة التي يطلق عليها «محاصرة المد الوردي»، ويدعم الرئيس ترامب بشكل كامل وغير مشروط الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي، ويدعم كذلك رئيس السلفادور نجيب بوكيلي الذي يتزعم حزب «الأفكار الجديدة» المحافظ، وفي البرازيل يدعم ترامب عائلة الرئيس السابق بولسونارو زعيم الحزب الليبرالي المعارض، وفي تشيلي يقدم البيت الأبيض الدعم السياسي للحزب الجمهوري بقيادة أنطونيو كاست الذي يتبنى قيم العائلة والسوق الحر ويناهض الهجرة، وفي كولومبيا تدعم واشنطن حزب «المركز الديمقراطي» الذي أسسه ألفارو أوريبي بهدف إسقاط الحزب اليساري الذي يقود البلاد في الوقت الحالي بقيادة جوستافو بترو
سادساً: من ليس معنا فهو علينا
ما جرى في فنزويلا منذ اعتقال الرئيس مادورو في 3 يناير الجاري كان «رسالة أمريكية» للجميع في النصف الغربي للكرة الأرضية، بأن «من ليس معنا فهو علينا»، وأن الولايات المتحدة سوف تعمل على تغيير توجهات الأنظمة السياسية التي تعمل ضد البيت الأبيض، فالخيار الوحيد أمام النخبة الحاكمة في فنزويلا هو الاستجابة بنسبة 100% لكل شروط الرئيس ترامب، وسوف تقوم تولسي رودريجرز القائمة بأعمال الرئيس الفنزويلي بزيارة للبيت الأبيض، وهو ما يشكل إعلان عن «تحول كامل» في توجهات النظام الحاكم في فنزويلا من نظام ظل يعارض الولايات المتحدة منذ وصول الرئيس الفنزويلي السابق هوجو شافيز إلى سدة الحكم في 2 ديسمبر 1999، وحتى عملية «الحزم المطلق» بداية يناير الجاري، ووفق عدد من الصحف الأمريكية فإن البيت الأبيض يطرح نفس المقاربة على الدول الأخرى في الكاريبي وأمريكا اللاتينية، ولهذا أعلنت واشنطن أنها سوف تستقبل أول رئيس يساري لكولومبيا جوستافو بيترو في المكتب البيضاوي يوم 3 فبراير القادم، وفي التسريبات الحديثة التي كشفتها الصحافة الفنزويلية فإن الرئيسية تولسي رودريجيز كان أمامها هي وأركان حكمها 15 دقيقة فقط حتى لا يقتلوا يوم 3 يناير الجاري، لأن الرسالة التي وصلتهم في البداية كانت تقول بأن مادورو وزوجته قتلا بالفعل، وأنتم سوف تقتلون ما لم تستجيبوا لكل الأهداف الأمريكية.

سابعاً: نموذج لكل دولة
لا تنتهج الولايات المتحدة مساراً أو خطة واحدة تجاه كل الدول الشيوعية في الكاريبي وأمريكا اللاتينية، فلكل دولة أداة من أدوات كثيرة يعتمدها البيت الأبيض، فكل المؤشرات تقول إن عملية «الحزم المطلق» التي نجحت في فنزويلا بداية الشهر الجاري لا يمكن تكرارها في كوبا حيث سبق أن فشلت عملية مماثلة أطلق عليها «عملية النمس» عام 1961 عندما فشل الرئيس الأمريكي الأسبق جون كيندي في إسقاط حكم فيدل كاسترو، واليوم تقول كل التقديرات أن تكرار السيناريو الفنزويلي سوف يفشل في كوبا، نظراً لتماسك النظام الكوبي، وعدم وجود انشقاقات أو شروخ سياسية يمكن العمل عليها، كما جرى في سيناريو فنزويلا، كما أن سيناريو فنزويلا يصعب تطبيقه في كولومبيا، نظراً لوجود عصابات وجماعات مسلحة كثيرة يمكن أن تعوق أي تحرك للقوات الأمريكية على الأرض، ناهيك أن مدة حكم الرئيس الكولومبي تنتهي في يونيو القادم، ولا يحق له الترشح من جديد، وهو ما يعني أن الولايات المتحدة أمامها طريقين لتحقيق أهدافها في كولومبيا عبر دعم المعارضة للفوز في الانتخابات القادمة، أو تغيير وجه النظام الكولومبي حتى يكون أي رئيس قادم متوافق مع أهدافها
ثامناً: الإكراه السياسي والاقتصادي
فرض الرسوم الجمركية الأمريكية على دول الكاريبي وأمريكا اللاتينية ليس فقط أداة «للإكراه الاقتصادي» بل أداة لإنهاء الشراكة بين دول النصف الغربي للكرة الأرضية مع الصين وروسيا، وخير نموذج على هذا المسار هو تهديد الرئيس ترامب بأنه سوف يفرض رسوماً جمركية بنسبة 100% على الواردات الكندية حال توقيع كندا اتفاقية تجارية جديدة مع الصين بدعوى أن هذا الاتفاق سوف يحول كندا إلى جسر ترسل من خلاله الصين بضائعها إلى الأسواق الأمريكية، وسبق لترامب أن هدد باستخدام «سلاح الرسوم الجمركية» ضد المكسيك التي لديها فائض تجاري مع الولايات المتحدة بنحو 164 مليار دولار، وسوف يشهد عام 2026 مراجعة اتفاقية «التجارة الحرة»التي تجمع الولايات المتحدة مع المكسيك وكندا حتى يضمن الرئيس ترامب عزل الاقتصاد الكندي والمكسيكي عن الاقتصاد الصيني، وهو ما دفع السياسيين في المكسيك وكندا لوصف خطوات الإدارة الأمريكية «بالإكراه السياسي» قبل أن تكون «إكراهاً اقتصادياً»، وسبق أن قدم وزير الخارجية ماركو روبيو خيارات اقتصادية تتعلق بالموانئ إلى دول مثل تشيلي حتى تتخلى تشيلي عن خطط طموحة لبناء موانى جديدة مع الصين
تاسعاً: الحصار البحري
تنفذ البحرية الأمريكية حصاراً حقيقياً على كل الدول الشيوعية التي ترفض الانصياع للأهداف الأمريكية، وتمنع وصول شحنات النفط والأسلحة ومعدات فض التظاهرات من روسيا والصين إلى هذه الدول، كما تقوم البحرية الأمريكية بمصادرة أي سفن تحمل النفط والغاز بدعوى أنها تحمل غازاً ونفطاً غير قانوني، وهو ما ساهم في تقويض وإضعاف اقتصادات أكثر من دولة
عاشراً: التصنيف الإرهابي
منذ 20 يناير الماضي وضعت الإدارة الأمريكية تصنيفاً جديداً للدول «الراعية للإرهاب» ضمت من خلاله دولاً مثل كولومبيا ونيكاراجوا حيث يمنع هذا التصنيف هذه الدول من الحصول على مساعدات دولية أو قروض من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، بالإضافة إلى فرض نوع من الحصار الدبلوماسي على بعثاتها الدبلوماسية في الخارج، وهو ما يضعف هذه الأنظمة ويشوه صورتها أمام شعوبها، وتجيز هذه الخطوة لواشنطن تجميد ومصادرة الأصول السيادية لهذه الدول في الخارج لصالح قوى المعارضة المدعومة أمريكياً.
