في معرض باريس للكتاب، قبل أعوام، حظيتُ بشرف الدعوة لحضور هذا المحفل الثقافي العالمي بتوجيه كريم من صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، حفظه الله. وكنت آنذاك أعمل سفيراً لدولة الإمارات في ألمانيا، وتلقيت الدعوة بتقدير وامتنان، لما تحمله من ثقة وحرص على المشاركة في مناسبة ثقافية تمثل الإمارات خير تمثيل.
كانت معرفتي بسموه قد بدأت قبل ذلك في معرض فرانكفورت للكتاب، حيث تشرفت بلقائه للمرة الأولى. هناك فهمت أن اهتمامه بمعارض الكتب في أوروبا والعالم ليس لكونها معارض للكتاب، بل لأن حضور سموه هو التزام شخصي،
سواء كان في لندن أو فرانكفورت أو باريس، وفي غيرها من العواصم الثقافية. كان الشيخ سلطان حاضراً بفكره قبل حضوره بجسده، حريصاً على أن تكون الثقافة العربية حاضرة بنديّة بين ثقافات الأمم الأخرى.
لقاؤنا الثاني كان في أوبرا باريس، ذلك الصرح المهيب الذي احتضن العشاء الرسمي في معرض باريس للكتاب. حين نهض الشيخ سلطان لإلقاء كلمته، كان يعاني التهاباً شديداً في الحلق، حتى إن الكلمات كانت تخرج بصعوبة، ومع ذلك لم يتراجع ولم يختصر ولم يؤجل. كان مصمماً على أن تُقال الرسالة كاملة، لأن الثقافة، في نظره، لا تحتمل أنصاف المواقف.
بعد انتهاء حفل العشاء ذهبت إلى الصيدلية وجلبت لسموه كيساً صغيراً من حبات تخفيف الألم بمذاق العسل، يضعها في فمه لتهدئة الالتهاب. سألته إن كان سيأخذ قسطاً من الراحة، فأجاب بابتسامة، ثم أكمل يومه حسب جدول الفعاليات الذي اعتمده سلفاً، وكان حريصاً على الاستمرار والمشاركة كأن الإرهاق الجسدي لا يجب أن يتقدم على واجب الثقافة ورسالتها.
ما يميّز تجربة الشارقة في هذه المعارض تكامل فريق العمل الذي تشارك فيه دوائر الكتاب والثقافة، والتراث، والإعلام، والنشر، والمؤسسات الأكاديمية. الجميع يعملون لتحقيق هدف مشترك ليحتفل بالثقافة العربية من بوابة دولة الإمارات، ويقدمها للعالم بوصفها ثقافة حية، عميقة، ومتصالحة مع العصر.
تلك هي رسالة الشارقة إلى العالم المستنير، وأن الكتاب قوة ناعمة وجسر بين الثقافات، أما الحضور العربي في الساحات الدولية فهو يعكس عمق إيمان الشيخ سلطان بأهمية الحوار بين الشعوب عبر بوابة الثقافة.