لم يفاجئ إعلان الحكومة الإسرائيلية فرض «السيادة» على الضفة الغربية المحتلة توقعات المراقبين، في ظل الحرب المسعورة على الوجود الفلسطيني بأبعاده، الجغرافية والتاريخية والسياسية والثقافية، لفرض واقع على الأرض لا يمكن الرجوع عنه، ونسف أيّ مقومات لكيان الدولة الفلسطينية التي لا تزال فكرة تتداولها وثائق القانون الدولي، وتكاد تكون أمنية غير قابلة للتحقق.
الحكومة الإسرائيلية الحالية تمادت بعيداً في انتهاكاتها الشنيعة، وتجاوزت كل «الخطوط الحمراء» التقليدية في إدارة الصراع، مع الفلسطينيين والجوار، تحرّكها لوثة تطرّف غير مسبوقة لا تلتزم معها بتعهدات، ولا تكترث بمواثيق، وباتت عامل تهديد عميق لاستقرار الإقليم، وتحريض مباشر على إنهاء أيّ أمل في السلام، ودفع المنطقة نحو خيارات صفرية تنسف الخيارات الدبلوماسية الممكنة، وتزيد من احتمالات الصراعات والحروب، وهو مآل حتمي، إذا استمر هذا التدهور، ولم يتم كبحه وقمعه بما يلزم من إجراءات عملية صريحة، وليس الاكتفاء ببيانات الشجب والإدانة، والاجتماعات الاستثنائية والطارئة التي تتراكم، وتتوالى، بينما تواصل إسرائيل تغيير الواقع على الأرض من دون خشية من الملاحقة، أو المساءلة، لتوهمّها أن العالم «يصرخ ثم يتأقلم»، ولن يستطيع فعل شيء، طالما أنها تحظى بغطاء أمريكي تتوارثه الإدارات المتعاقبة. وحتى إذا عارضت إدارة دونالد ترامب ضم الضفة الغربية، فإن تل أبيب تدرك أن تلك المعارضة شكلية، ولن ترقى إلى إجراءات مثل فرض عقوبات، أو سحب للدعم العسكري، وقد لا تبخل واشنطن على حليفتها الأثيرة بإيجاد مخارج إذا اشتد عليها الخناق. وترامب نفسه، لمّح مرّات عدّة إلى أن ضم الضفة الغربية مسألة وقت. وما معارضته الآن إلا موقف تكتيكي لعدم التشويش على خطط أخرى، أما جوهر السياسة الأمريكية فلا يقف ضد المشاريع الإسرائيلية، بل يموّلها، ويهيئ لها الظروف، ويعقد لها الصفقات التي تقود في النهاية إلى اعتراف دولي تدريجي بالواقع الجديد، تماماً كما حدث في ملفات سابقة.
بعد عامين من التدمير والإبادة في غزة، والضرب هنا وهناك، من دون رادع، والإفلات من الملاحقة القضائية، أصبح صانع القرار الإسرائيلي يتوهم أن بإمكانه استباحة كل الأراضي الفلسطينية، والمنطقة، والتطاول على الأمم المتحدة وإهانة وكالاتها، وموظفيها، وأجهزتها، وهو أمر واقع لا ينكره أحد، وليس له أن يدوم لأنه خارج المنطق ويخضع لمقتضيات مرحلة انتقالية يمر بها النظام الدولي الذي يشهد إرهاصات تحولات كبيرة ستؤثر حتماً في الوضع الإقليمي، وستعيد رسم حدوده على أسس راسخة وقيم عادلة، وسيؤدي إلى إعادة النظر في كل شيء، وأولها الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، وربما أكثر من ذلك، وأبعد مما يصوره الحاضر من وقائع.
اللحظة الراهنة تشير إلى أن القضية الفلسطينية تمر بأحلك محاولات تصفيتها. وكل ما يجري ليس آخر المطاف، أو نهاية التاريخ، بل ذروة هذه المعركة المصيرية. وعلى الرغم من صورة القوة والغطرسة التي تسعى إسرائيل إلى تسويقها في الإقليم، فإن وجهها الآخر يخفي حالة قلق وجودية عميقة، ويستبد بها خوف من المستقبل الذي ستواجه فيه عزلة، وأزمة هوية، في واقع إقليمي ودولي يتشكل وفق أسس ومفاهيم ومعايير مختلفة عن السابق، وسيفرض معادلات جديدة لن تكون فيها إسرائيل صاحبة الطلقة الأخيرة لتقرير مصير القضية الفلسطينية.
ضمّ الضفة.. والطلقة الأخيرة
12 فبراير 2026 00:39 صباحًا
|
آخر تحديث:
12 فبراير 00:39 2026
شارك