ما أكثر الكتب التي تثير لحظة صدورها ضجة واسعة، وتحقق درجة عالية من الانتشار، لكن هذه الشهرة سرعان ما تتبدد بعد حينٍ قد لا يطول كثيراً. والعكس صحيح أيضاً؛ هناك كتب لا تحظى لحظة صدورها بما تستحقه من اهتمام، ولكن بعد حينٍ قد يطول، يلفت بعض النقاد والدارسين النظر إليها، فتبعث فيها لا حياة جديدة واحدة فقط وإنما عدة حيوات، حيث تتحول إلى كتب مفصلية، ويصح ذلك على كتب الأدب كما يصحّ على كتب الفكر.
هي الحال هكذا. كتب تعبر كالنيزك السريع الذي ينجم عنه ضوء لافت، لكنه سرعان ما يتبدد ويختفي، وكتب أخرى يتشكّل صيتها على مهل، لكن أثرها، كأثر الفراشة، لا يزول. الأولى تموت بسرعة فلا يكاد أحد يتذكرها، والثانية تعيش طويلاً، وربما لا تموت، لكن زمننا الراهن، زمن سطوة وسائل التواصل الاجتماعي، أضاف جديداً على الأمر من زاوية ازدياد فرص تسليط الضوء المبالغ فيه على ما سيغدو بعد حين عابراً، وربما منسيّاً، فيما لا تحظى الكتب القابلة للبقاء الطويل بما هي أهل له من اهتمام لحظة صدورها، فتمرّ في صمت، خاصة إذا كان حظّ مؤلفيها سيئاً فلم يجدوا دار النشر القادرة على تسويق كتبهم بالصورة التي تستحقها، وهنا أيضاً يصحّ العكس فقد تنجح دور نشر أخرى في تسويق الرديء من الكتب متوسلة في ذلك طرقاً شتى اكتسبتها من التجربة والمِران.
قد لا يخلو من بعض التعسف تصنيفنا هذا لمستوى شهرة الكتب بهذه الطريقة، فليس كل ما ينال الصيت الواسع منها كتباً سيئة، فيما يجري إهمال الجيد منها. هناك كتب حققت النجاح لأنها كتب جيدة، وكتب لم تلفت الأنظار لأنها رديئة أو ضعيفة، ومع ذلك يبقى السؤال عن المدى الزمني للشهرة التي يمكن لكتابٍ جيد أن يحافظ عليها خلاله: عقد؟ عقدان؟ قرن؟ قرون؟
سؤال يحفزنا عليه ما قاله الأديب المغربي عبدالله العروي عن رواية «اسم الوردة» لأمبرتو إيكو التي لا جدال حول أهميتها، والتي بيع منها بعيد صدورها سبعة عشر مليون نسخة، بينها مليونا نسخة داخل بلاد كاتبها إيطاليا، ومع ذلك رأى العروي في حوارٍ أجراه معه محمد الدلهي أن نجاح الرواية جاء لأسباب عارضة، يتصل بعضها بجودة التسويق، فإيكو أستاذ سيمائيات ذهب إلى أمريكا وتعرّف إلى وسائل النشر الأمريكية وفهم ميول القراء التي تلائمها موضوعات كتلك التي تناولها في «اسم الوردة»، فكان أن حققت كل هذا الصيت.
يخلص العروي، بعد ذلك، إلى طرح هذا السؤال: «هل ستعتبر «اسم الوردة» بعد عشرين سنة كإحدى قمم الإبداع الأدبي؟»، مكتفياً بالإجابة التالية: «هذا أمر أشكّ فيه».
آخر الكلام
الباقي من الأدب والعابر
13 فبراير 2026 00:18 صباحًا
|
آخر تحديث:
13 فبراير 00:18 2026
شارك