د. ناصرعبداللطيف الحمادي 

في عالمٍ تتقاطع فيه السياسة بالعلم، وتتشابك فيه الأسلاك والترددات مع المدار، تظهر مدرسة جديدة من الفكر الدبلوماسي، لا تُدار بالمذكرات فقط واتفاقيات التفاهم، بل تُصاغ بالمعادلات التقنية والسيكولوجية والفكرية أيضاً. من هنا، ينبثق مفهوم «هندسة دبلوماسية الفضاء والاتصالات»، في صياغة للعلاقة بين الدبلوماسية والتكنولوجيا، بلغة فكرية تستشرف المستقبل.
إن الدبلوماسية الحديثة، لم تعد محصورة في المكاتب ولا قاعات التفاوض، بل امتدت إلى أبعد من ذلك، حيث الفضاء وجنبات المدار، إلى الأقمار الصناعية، وإلى الشبكات اللاسلكية التي تبني الثقة بين الشعوب والأمم. فالعالم اليوم لم يعد ينقسم فقط بين قوى سياسية واقتصادية، بل بين من يملك البيانات والمعرفة ومن ينتظرها، وبين من يصنع دبلوماسية الأسلاك والمدار ومن يراقبه.
أخذت الدبلوماسية مساراً متطوراً ومتدرجاً، منذ أن كان المبعوثون ينقلون الرسائل على ظهور الخيل، حتى أصبحوا اليوم ينقلون البيانات بين الدول بسرعة الضوء. وفي ميادين «الفضاء الخارجي» و«الاتصالات»، لم تعد هذه الميادين مجالاً تقنياً بحتاً، بل أصبحت مجالاً دبلوماسياً يُمارس فيه التفاوض والتفاهم، وتُبنى فيه التحالفات والثقة، وتُدار فيه الأزمات.
في هذا السياق، نقدم مفهوماً خاصاً ل «دبلوماسية الأسلاك والمدار»، حيث يندمج الدبلوماسي السياسي مع التقني، والاتصالي مع الاستراتيجي، ضمن هندسة معقدة من العلاقات المتبادلة وفهم السلوك. فالتحكم في ترددات البث والطيف الترددي، وإدارة المواقع المدارية في الفضاء، ومشاركة بيانات الأقمار الصناعية، كلها باتت أدوات ابتكارية لدبلوماسية بامتياز.
ومن خلال التجربة الطويلة الممتدة إلى اليوم لدولة الإمارات وقصص النجاح في ميادين الاتحاد الدولي للاتصالات (ITU)، والذي يعد من أقدم المنظمات لدى الأمم المتحدة، وكذلك في ميادين الفضاء الخارجي، برزت هيئة تنظيم الاتصالات والحكومة الرقمية ووكالة الإمارات للفضاء على طاولات التفاوض والمناقشات التي تُدار بلغة الترددات والأنظمة المدارية أكثر من الكلمات البروتوكولية.
إن هندسة الدبلوماسية، ليست مجازاً لغوياً، بل منهج فكري، فالعلاقات الدولية اليوم يمكن تصميمها وتطويرها كما تُصمم الأنظمة التقنية وفق مبادئ واضحة، مدخلات ومخرجات، ومعادلات تحكمها الدقة والسلوك والثقة والتوازن. كما أنها القدرة على بناء الثقة بين الدول عبر منظومات معرفية وتقنية مشتركة، بحيث تتحول المشاريع العلمية إلى منصات للتعاون والمشاركة، وليس للتنافس المطلق. وهذا بالضبط ما تجسده المبادرات العربية والإماراتية في الفضاء، مثل مشروع القمر الصناعي العربي (813)، حيث عملت عدة دول عربية في منظومة علمية موحدة لتطوير قمر صناعي مشترك حمل في ديسمبر/كانون الأول من العام الماضي أحلاماً عربية طموحة أطلقها صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، رعاه الله، في مارس/آذار 2019، وفي تجربة غير مسبوقة من حيث مستوى الثقة والتكامل العلمي. هذا علاوة على مشاريع عربية طموحة أخرى مثل «مسبار الأمل» ومشروع الإمارات لاستكشاف حزام الكويكبات وغيرها.
الرسالة الأسمى هنا أن «المدار الفضائي يمكن أن يكون سفارةً، والأقمار الصناعية يمكن أن تكون رسائل سلامٍ إنساني»، ومحطة الفضاء الدولية منبراً للشراكات والثقة الدولية، في إشارة رمزية إلى أن الفضاء قادر على توحيد ما تفرقه السياسة الأرضية، ويعد أداة قوة ناعمة وأحد أركان سياسة دولة الإمارات الدبلوماسية الخارجية، والذي نفخر بأن باتت الدولة ضمن العشرة الأوائل في الترتيب العالمي للقوة الناعمة والأثر الدولي.
أما على صعيد الاتصالات، تمثلت هذه الهندسة الدبلوماسية في استضافة وترأس الدولة، ممثلة بهيئة تنظيم الاتصالات والحكومة الرقمية وحصراً كأول دولة عربية تستضيف جميع محافل منظمة الاتحاد الدولي للاتصالات الاستراتيجية والفنية، منذ انضمامها عام 1972وحتى اليوم، في إشارة إلى مكانتها العالمية والثقة الدولية المكتسبة على خريطة الأسلاك والاتصالات وتقنية المعلومات. هنا وفي هذه السردية، لا نكتفي بوصف الإنجاز، بل في تحليل المعادلة التي جعلت ذلك ممكناً، من خلال القيادة الاستشرافية والدبلوماسية الهادئة والرؤية الإنسانية العاطفية للقيادة الرشيدة لهذا الوطن. هكذا تحولت الإمارات من متلقٍ للمعرفة، إلى بانٍ للثقة، ومن طرف في المعادلة إلى مهندس في بناء النظام الفضائي العربي والاتصالات الدولي.
إن هذه هي دعوة إلى إعداد جيل جديد من الدبلوماسيين التقنيين القادرين على التحدث بلغة المدار والذكاء الاصطناعي والاتصالات الآمنة، إلى جانب لغات السياسة والقانون الدولي. وإبراز أهمية الذكاء العاطفي في التفاوض المعلوماتي والفضائي، وفهم مشاعر الآخرين واحتياجاتهم في بيئة علمية معقدة قد تكون أكثر فاعلية من أي وثيقة أو معاهدة.
هندسة دبلوماسية الفضاء والاتصالات ليست شعارات، بل خرائط فكرية لمستقبل العلاقات الدولية وكدليل للدبلوماسيين الجدد، ومرجع لصانعي القرار، وكنافذة للأكاديميين الذين يبحثون عن اللغة المؤثرة التي تجمع بين الفيزياء والسياسة.
وإذا كان لكل عصر دبلوماسيّيه، فإن هذا العصر بحاجة إلى مهندسي دبلوماسية، لا يكتفون بفهم العالم كما هو، بل يسعون لتصميمه كما يجب أن يكون.

*[email protected]

رئيس العلاقات الدولية والشراكات بوكالة الإمارات للفضاء. أكاديمي. كاتب ومؤلف