هيمنت على مؤتمر ميونيخ لكبار قادة الأمن هذا العام كيفية سعي الدول جاهدة للتكيف مع عام من المواجهات مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن قضايا تتراوح بين الرسوم الجمركية وتهديده بانتزاع جزيرة غرينلاند من الدنمرك عضو حلف الأطلسي.

واللافت كان الخطاب الأمريكي الجديد، والحديث عن إعادة تشكيل النظام العالمي على طريقة ترامب، وما يعنيه «التجديد والترميم برؤية لمستقبل فخور وذي سيادة وحيوية تضاهيان ماضي حضارتنا»، كما قال وزير الخارجية ماركو روبيو.

فهل تستعيد أمريكا الثقة المفقودة من أوروبا؟

وقال وزير الدفاع ‌الألماني بوريس بيستوريوس إن ‌الحلف (الناتو) يعتمد على القدرة على التنبؤ والثقة في الولايات المتحدة.

وأضاف: «التشكيك في وحدة الأرض ⁠والسيادة لدولة عضو في حلف الأطلسي، واستبعاد الحلفاء الأوروبيين من المفاوضات الحاسمة لأمن القارة، كل ذلك يضر بتحالفنا ويقوي خصومنا».

  • «ابنة أوروبا»

في كلمته أمام المؤتمر وصف وزير الخارجية الأمريكي بلاده بأنها «ابنة أوروبا» في رسالة للتعبير عن الوحدة يوم السبت، مقدما بعض التطمينات وموجها في الوقت نفسه المزيد من الانتقادات للحلفاء بعد عام من الاضطرابات في العلاقات عبر الأطلسي.

جاءت تصريحات ماركو روبيو، حيث تحاول القوى الأوروبية الرائدة ‌إظهار استقلاليتها وقوتها بينما تسعى جاهدة للحفاظ على تحالفها مع الولايات المتحدة في عهد ترامب.

وقدم الخطاب الأمريكي درجة من الطمأنينة للدول الأوروبية التي تخشى ​أن تُترك وحيدة في وجه ⁠أي تحد، بدءا من الحرب في أوكرانيا وحتى الاضطرابات التجارية الدولية في ظل نظام عالمي سريع التغير.

  • الديناميكيات الأساسية

لكن الخطاب افتقر ‌إلى التزامات ملموسة ولم يذكر روسيا، مما أثار تساؤلات حول ‌ما إذا كانت نبرة روبيو الأكثر مرونة من نبرة جيه.دي فانس نائب الرئيس الأمريكي في نسخة العام الماضي من المؤتمر ستغير الديناميكيات الأساسية.

وقالت ⁠رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إن خطاب هذا العام طمأنها كثيرا، ووصفه وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول بأنه «شريك حقيقي»، لكن آخرين اتخذوا نبرة أكثر حذرا.

ومع إشادة روبيو بالإنجازات الثقافية لأوروبا بدءا من الفنان مايكل أنجلو مرورا بأديب الإنجليزية الأكبر وليام شكسبير، ⁠تطرق أيضا إلى موضوعات أثارت غضبا، بما في ذلك انتقاد الهجرة الجماعية والإجراءات المتشددة بشأن تغير المناخ.

وقال «لا نريد أن يكون حلفاؤنا ضعفاء، لأن ذلك ​يجعلنا أضعف». وأضاف «لأننا في أمريكا لا نهتم بأن نقوم بشكل مهذب ومنظم على التدهور المحكوم للغرب، فنحن لا نسعى إلى الانفصال بل إلى إحياء صداقة قديمة وتجديد أعظم حضارة في تاريخ البشرية».

وقال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو إنه يتفهم سبب تصفيق الحضور لدعوة روبيو إلى إرث ⁠مشترك.

وأضاف «هل سيغير ذلك استراتيجيتنا؟ بالطبع لا. لأن ما نسمعه اليوم، سمعناه بالفعل في الماضي».

  • «تحفيز صداقة قديمة»

ودعا روبيو إلى أوروبا «قوية»، مطالبا الأوروبيين بالانضمام إلى الولايات المتحدة في سعيها لـ«تجديد» النظام العالمي.

وبعد يوم على دعوة الأوروبيين واشنطن إلى إصلاح العلاقة بين ضفتي الأطلسي، أكد روبيو «لا نسعى إلى الانفصال، بل إلى تحفيز صداقة قديمة وتجديد أعظم حضارة في تاريخ البشرية»، مؤكدا أن «ما نريده هو تحالف متجدّد القوّة».

وقال روبيو إن الولايات المتحدة وأوروبا «قدرهما أن تكونا معا»، مؤكدا «نريد أن تكون أوروبا قوية».

وتابع أن بلاده تريد في عهد دونالد ترامب أن تقود «التجديد والترميم» العالميين، وهي «مدفوعة برؤية لمستقبل فخور وذي سيادة وحيوية تضاهيان ماضي حضارتنا».

وأضاف «بينما نحن مستعدون، إذا لزم الأمر، للقيام بذلك بمفردنا، فإننا نفضل ونأمل أن نفعل ذلك معكم، مع أصدقائنا هنا في أوروبا».

ويواظب ترامب منذ عودته الى البيت الأبيض على استهداف الأوروبيين وانتقاد سياساتهم في مجال الهجرة معتبرا أنهم يواجهون خطر «محو حضاري».

  • بديل الأمم المتحدة

وقال روبيو: «نريد حلفاء يفتخرون بثقافتهم وإرثهم، يدركون أننا ورثة الحضارة ذاتها العظيمة والنبيلة، ومستعدون وقادرون معنا للدفاع عنها».

وأكد «إن تحركنا معا بهذا الاتجاه، فلن نساعد فقط في استعادة سياسة خارجية منطقية، بل سيعيد لنا ذلك حسّا واضحا بأنفسنا، وسيرمم مكانتنا في العالم. وبذلك، سيدحض ويردع قوى المحو الحضاري التي تهدد اليوم أميركا وأوروبا على السواء».

كما كرر موقف إدارته بأن الأمم المتحدة لم تلعب «عمليا أي دور» في تسوية النزاعات في العالم، داعيا إلى إصلاح المؤسسات الدولية.

وقال روبيو إن «الأمم المتحدة ما زال لديها إمكانات كبرى لتكون أداة للخير في العالم» مضيفا «لكن لا يمكننا التغاضي عن أنها اليوم لا أجوبة لديها بشأن المسائل الأكثر إلحاحا المطروحة علينا، ولم تلعب عمليا أي دور. لم يكن بوسعها إيجاد تسوية للحرب في غزة».

  • موقف بريطانيا

يأتي مؤتمر ميونيخ 2026 بعد عشر سنوات على الاستفتاء الذي أفضى إلى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست)، وأكد قادة الطرفين ضرورة توحيد صفوفهما في عالم يزداد اضطرابا.

وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لايين في مؤتمر ميونيخ للأمن إن أوروبا وبريطانيا بحاجة إلى التعاون بشكل أوثق بشأن «الأمن، والاقتصاد، والدفاع عن ديموقراطياتنا».

وأضافت «ينبغي على أوروبا وخصوصا المملكة المتحدة، أن يتقاربا أكثر»، لافتة إلى أن «مستقبلنا أكثر ترابطا من أي وقت مضى» على الرغم من مرور 10 سنوات على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

وأدلى رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر بتصريحات مماثلة. وقال «لسنا عند مفترق طرق: الطريق أمامنا مستقيم وواضح. يجب أن نبني قوتنا الصلبة، لأنها عملة العصر».

وتابع ستارمر «يجب أن نكون قادرين على ردع العدوان، ونعم، إذا لزم الأمر، يجب أن نكون مستعدين للقتال»، داعيا إلى بناء «قاعدة صناعية مشتركة في جميع أنحاء أوروبا يمكنها أن تعزز إنتاجنا الدفاعي» و«تضاعف نقاط قوتنا».

وكان الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته قال الجمعة إن «وجود أوروبا قوية في ناتو قوي يعني أن الرابطة عبر الأطلسي ستكون أقوى من أي وقت مضى»، وقال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إن «هذا هو الوقت المناسب لأوروبا قوية» تعمل على «بناء هيكلها الأمني الخاص».

  • «رفع مستوى الأداء»

وأكدت رئيسة المفوضية الأوروبية، أن أوروبا التي اعتمدت على الولايات الأميركية في مجال الدفاع لعقود عليها حاليا «رفع مستوى أدائها» و«تحمل مسؤولياتها».

وأكدت فون دير لاين، أن «أمن أوروبا لم يكن يعتبر دائما مسؤوليتنا الأساسية، لكن الأمر تغيّر جذريا» مشيرة إلى أن أوروبا القوية «تعني تحالفا أقوى عبر الأطلسي».

واعتبرت أنه لتحقيق ذلك على أوروبا «التحرر من كل المحظورات»، مشيرة تحديدا إلى استخدام «بند الدفاع المشترك»، وهو التزام جماعي من جانب الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي بالدفاع عن أي دولة عضو تتعرض لعدوان.

وقالت «أعتقد أن الوقت حان لتفعيل» هذا البند المنصوص عليه في المعاهدات الأوروبية.

كما دعت رئيسة المفوضية الأوروبية إلى «تطوير ركيزة أوروبية للقدرات الاستراتيجية في مجال الفضاء، والاستخبارات، وقدرات الضربات في العمق».

وبدأت أوروبا إعادة التسلح بهدف تعزيز دفاعاتها بحلول العام 2030 بعد تهديد الرئيس دونالد ترامب بتقليص استثمارات الولايات المتحدة في حلف شمال الأطلسي، وتحذيرات من حرب محتملة مع روسيا.

  • ميثاق الدفاع المشترك

وحثت ​فون ⁠دير لاين الاتحاد الأوروبي ‌على تفعيل ميثاق ⁠الدفاع المشترك المنصوص عليه في معاهدة التأسيس.

وذكرت في كلمة ألقتها ​في المؤتمر «الدفاع ‌المشترك ليس مهمة اختيارية للاتحاد الأوروبي. إنه ⁠التزام منصوص عليه في معاهدتنا».

وأضافت «التزامنا الجماعي ​هو ‌أن نقف ‌إلى جانب بعضنا البعض في حالة التعرض ‌للعدوان، أو ‌بعبارة بسيطة: ⁠واحد للجميع ‌والجميع للواحد. وهذا هو معنى أوروبا».

  • ألماينا تدعو إلى «إصلاح الثقة» 

ودعا المستشار الالماني فريدريش ميرتس الجمعة الى إصلاح وإحياء الثقة بين ضفتي الاطلسي بعد اهتزازها بسبب مواقف ترامب.

وقال ميرتس بالانكليزية «فلنصلح ونحيي معا الثقة بين ضفتي الأطلسي»، مخاطبا «الأصدقاء الاعزاء» الأميركيين.

واضاف المستشار الالماني «في عصر التنافس بين القوى الكبرى، لن تكون الولايات المتحدة قوية بما يكفي لكي تعتمد على نفسها حصرا».

وأوضح ميرتس أنه أجرى «مداولات سرية» مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بشأن الردع النووي الأوروبي، منبّها من احتمال ظهور تباينات في مستويات الحماية بين الدول الأوروبية.

وفرنسا والمملكة المتحدة هما الدولتان النوويتان الوحيدتان في أوروبا. وتعزز في الاشهر الاخيرة إمكان أفادة دول أوروبية اخرى من الردع النووي الفرنسي في ظل خشيتها من عدم إمكان تعويلها، مستقبلا، على المظلة الاميركية التي تحمي أوروبا برمتها راهنا.

ورأى الامين العام لحلف شمال الاطلسي مارك روته الذي تحدث خلال «منتدى عبر الاطلسي» أن هناك «تغييرا في الذهنية» داخل الناتو. وأوضح «باتت أوروبا تضطلع بدور أكبر على صعيد القيادة في حلف شمال الاطلسي... وتولي اهتماما أكبر بدفاعها الذاتي».

وقال إن وجود «اوروبا قوية داخل ناتو قوي يعني أن الصلة بين ضفتي الاطلسي ستكون أقوى من أي وقت مضى».

  • «التعايش مع روسيا»

وبشأن العلاقات الأوروبية الروسية، شدّد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الجمعة على أن من المفترض بأوروبا «تحديد قواعدها للتعايش» مع روسيا في حال التوصل إلى اتفاق سلام لإنهاء الحرب في أوكرانيا، بغية «الحد من خطر التصعيد».

وقال الرئيس الفرنسي خلال مؤتمر ميونيخ للأمن «على الأوروبيين البدء بهذا العمل، انطلاقا من تفكيرهم ومصالحهم الخاصة». واقترح أن «يُطلق الأوروبيون سلسلة من المشاورات في شأن هذا الموضوع المهم». ورأى أن على دول القارة العجوز «تطوير» ترسانتها الدفاعية بفاعلية، لا سيما في ما يتعلق بأنظمة «الضربات الدقيقة» البعيدة المدى، إذا شاءت أن تكون في «موقع قوة» للتفاوض مع روسيا في المستقبل. 

كذلك، دعا الرئيس الفرنسي إلى التعامل مع أوروبا «كمثال» يُحتذى به بدلا من «انتقادها» أو «تشويه صورتها»، وقال ماكرون، في تلميحات لخطاب فانس خلال مؤتمر العام السابق: «تم انتقاد أوروبا باعتبارها كيانا عجوزا، بطيئا، ومجزأ، ومهمشا بفعل التاريخ. باعتبارها اقتصادا مفرط التنظيم وخاملا، ينأى بنفسه عن الابتكار. باعتبارها مجتمعا يعاني من هجرات همجية تُفسد تقاليده العريقة. والأغرب من ذلك، في بعض الأوساط، كونها قارة قمعية لا حرية للتعبير فيها».

رئيسة وزراء الدنمارك: رغبة ترامب في ضم غرينلاند «لا تزال على حالها»

قالت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن السبت إن رغبة الرئيس الأميركي دونالد ترامب «لا تزال على حالها» بشأن السيطرة على جزيرة غرينلاند المتمتعة بالحكم الذاتي تحت سيادة كوبنهاغن.

وصرحت فريدريكسن في مؤتمر ميونيخ للأمن «لسوء الحظ، أعتقد أن رغبته لا تزال على حالها»، وذلك ردا على سؤال عما اذا كان ترامب لا يزال يريد الاستيلاء على غرينلاند.

ولم يخف ترامب هذه الرغبة منذ عودته إلى البيت الأبيض قبل عام، مسوغا ذلك بمخاوف تتصل بالأمن القومي ومواجهة حضور روسيا والصين في الدائرة القطبية الشمالية.

وأثارت التصريحات العدائية للرئيس الأميركي حول هذا الموضوع توترات شديدة مع الاتحاد الأوروبي. الا أنه تراجع في العلن عن تهديداته الشهر الماضي بعد موافقته على «إطار عمل» للمفاوضات مع الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته، بهدف منح الولايات المتحدة نفوذا أكبر في غرينلاند.

لكن فريدريكسن قالت خلال جلسة نقاش حول الأمن في منطقة القطب الشمالي «الجميع يسألنا عما إذا كنا نعتقد أن الأمر قد انتهى؟ لا، نحن لا نعتقد أنه انتهى».

وأكدت رئيسة وزراء الدنمارك ورئيس وزراء غرينلاند ينس فريدريك نيلسن أن الضغط الذي يمارس على سكان الجزيرة «غير مقبول»، رغم اعتبار نيلسن أنه تم اتخاذ «بضع خطوات في الاتجاه الصحيح».

تم تشكيل فريق عمل يضم غرينلاند والدنمارك والولايات المتحدة لمناقشة المخاوف الأميركية بشأن الجزيرة. ولم يتم الكشف عن تفاصيل المحادثات.

وقالت فريدريكسن «لدينا الآن فريق عمل. سنرى ما إذا كان بإمكاننا إيجاد حل... ولكن بالطبع هناك خطوط حمر لا يجب تجاوزها».

ويأتي ذلك بعدما اجتمع رئيسا وزراء الدنمارك وغرينلاند لربع ساعة تقريبا الجمعة مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو على هامش مؤتمر ميونيخ.

ووصفت فريدريكسن الاجتماع بأنه «بنّاء».