د. أيمن سمير
منذ عودته للبيت الأبيض في 20 يناير 2025 وضع الرئيس دونالد ترامب «المعادن النادرة» في صلب سياسته الخارجية عندما نقلها من «الملفات الاقتصادية» إلى الركيزة الأساسية في سياسات «الأمن القومي»، ولم تعد «المعادن النادرة» مثل النيوديميوم والديسبروسيوم، مجرد مكونات تكنولوجية، بل أصبحت «سلاحاً جيو- سياسياً» تستخدمه واشنطن ليس فقط لبناء شراكات استراتيجية على أسس «المعادن النادرة» مع دول جديدة في آسيا وأوروبا وإفريقيا وأستراليا، بل لفك «الارتباط الاستراتيجي» مع الصين.
البيت الأبيض يخشى من تحول الهيمنة الاقتصادية الصينية في مجال المعادن النادرة إلى «تفوق عسكري وفضائي» حيث تعد المعادن النادرة «عنوان التفوق» في مجالات مثل مغنطيسيات الطيران العسكري خصوصاً الطائرات الشبحية من الجيلين الخامس والسادس، والأقمار الصناعية، والسيارات الكهربائية، وأسلحة الليزر الحديثة، والرقائق الإلكترونية، واعتماد الأنواع الجديدة من مصانع الطاقة الخضراء على تلك المعادن وخاصة طاقة الرياح، ولهذا يهدف الرئيس ترامب من خلال المسارات الجديدة للسياسة الخارجية إلى توفير «وسادة أمان» للصناعات العسكرية والدفاعية، وصناعات المستقبل عبر بناء «درع معدني» من المعادن النادرة يحمي الريادة التكنولوجية والعسكرية الأمريكية، في مواجهة التنين الصيني، وحتى يظل القرن الحالي قرناً أمريكياً، وهو ما جعل السياسة الخارجية الأمريكية تتوافق وتقارب مع الدول والمناطق التي لديها مخزونات كبيرة من «المعادن النادرة» التي ينظر إليها الجمهوريون باعتبارها الوقود والمحرك الحقيقي لشعار «أمريكا العظيمة مجدداً»، فما هي المؤشرات التي تؤكد أن قضية المعادن النادرة باتت «القاطرة» التي تقود السياسة الخارجية الأمريكية؟ وإلى أي مدى نجحت السياسة الخارجية الأمريكية في توفير هذه «الوسادة»، وهذه «الدرع» من المعادن النادرة لتأمين مستقبل الهيمنة الأمريكية خصوصاً في مجالات الأسلحة فائقة التقدم، والمجالات الحيوية الأخرى التي تبقي التفوق الأمريكي في العقود المقبلة؟

مأزق ومسارات
دائماً ما كان تأمين الموارد الخام للاقتصاد الأمريكي هدفاً رئيسياً للسياسة الخارجية الأمريكية، ففي القرن العشرين كان تأمين وصول النفط وخطوط الملاحة التي تنقل الغاز والنفط إلى الولايات المتحدة هدفاً رئيسياً للولايات المتحدة الأمريكية، ومنذ عام 2016 تحولت الولايات المتحدة إلى مصدر للنفط، وبداية من عام 2018 أصبحت مصدراً صافياً للنفط، لكن وسط هذه النشوة اكتشف صانع القرار الأمريكي أن بلاده عليها أن تغير وتعدل «مسارات السياسة الخارجية الأمريكية» لتتوافق مع المأزق الجديد الذي يتمثل في «النقص الهائل» الذي تعانيه واشنطن من «المعادن النادرة» والتي تضم نحو 17 عنصراً، وأخذ هذا المأزق 4 مسارات رئيسية وهي:
1 - هيمنة صينية
ما يزيد الضغط على صانع السياسات الخارجية الأمريكية أن الصين، وهي الغريم والمنافس التقليدي للولايات المتحدة خلال العقدين الماضيين هي التي تسيطر على 70% من احتياطيات ومراكز معالجة وتنقية المعادن النادرة في العالم، وتتحكم في نحو 90% من تجارة وإعادة تقطير وتنقية المعادن النادرة العابرة للحدود حتى أن بعض المعادن النادرة في ولاية كاليفورنيا كان يتم إرسالها حتى وقت قريب إلى الصين لتنقيتها من الشوائب نظراً لارتفاع الكُلف المالية على الأراضي الأمريكية، وهو ما يقول إن صياغة «السياسات الخارجية الأمريكية» لم يعد طبخها يتم في مراكز الأبحاث ومكاتب الاستخبارات، بل أيضاً يتم نسجها في مناجم الليثيوم الذي بات «العنصر الحيوي» في تصنيع البطاريات التي تعتمد عليها جميع الأنواع من «السيارات الكهربائية».
2 - شركاء دوليون
نتيجة لكل ذلك باتت «المعادن النادرة» «الدافع والمنصة» للكثير من «التحولات الجذرية» في توجهات السياسة الخارجية الأمريكية التي بدأت تعيد رسم طبيعة «التفاعلات السياسية والاقتصادية والعسكرية» بناء على المكاسب التي يمكن أن تحققها واشنطن في مجال «المعادن النادرة»، ووفق نشرة داخلية في وزارة الخارجية الأمريكية، ومجلس الأمن القومي اللذين يترأسهما ماركو روبيو، فإن أولويات الولايات المتحدة في الدعم وتوفير اتفاقيات سخية عسكرية أو أمنية مع الآخرين ينبغي أن تبنى على ما لدى الطرف الآخر من «مزايا إضافية» في مجال المعادن النادرة، سواء بتوفير هذه المعادن إلى الولايات المتحدة وحلفائها، أو من خلال استعداد هذه الدول لعمل شراكة مع الولايات المتحدة في بناء «مصانع عملاقة لتنقيه المعادن النادرة».

3 - معادن بدون شروط سياسية
كان لافتاً أيضاً أن السياسة الخارجية الأمريكية، وبتوجيه واضح من الرئيس ترامب، أنها بدأت تعمل على شراكات سياسية وعسكرية جديدة مع دول توفر «سلاسل إمداد» للمعادن النادرة دون «شروط سياسية»، لأن المفاوضين التجاريين الأمريكيين اكتشفوا إشهار الصين لورقة «المعادن النادرة»، لهذا دائماً ما يتحدث البيت الأبيض علانية بأن الصين منعت تصدير المعادن النادرة إلى اليابان عام 2010 بسبب خلاف حول جزر سينكاكاو.
4 - ثغرة أمنية
يرى الرئيس ترامب أن اعتماد الولايات المتحدة على الصين في الحصول على احتياجاتها من المعادن النادرة هو «ثغرة أمنية» لا يمكن قبولها، وتعتمد واشنطن اعتماداً كاملاً على بكين في الحصول على المعادن النادرة، ففي الفترة من 2020 إلى 2023 استوردت الولايات المتحدة نحو 70% من حاجتها من المعادن النادرة من الصين، لكن الأخطر بالنسبة للولايات المتحدة أن الصناعات العسكرية مثل صواريخ توماهوك، والطائرات الهجومية، والرادارات والملاحة العسكرية تعتمد على المعادن النادرة القادمة من الصين، ونتيجة لهذه المخاطر أمر ترامب بالتحقيق في المخاطر التي تهدد الأمن القومي الأمريكي نتيجة الاعتماد على «المعادن الأرضية النادرة» المستوردة من الخارج، وأصدر في إبريل 2025 أمراً تنفيذياً قال فيه: إن الاعتماد على الصين في «المعادن النادرة» يهدد «الأمن القومي الأمريكي».
هناك مؤشرات كثيرة تقول إن المعادن النادرة باتت «البوصلة» التي توجه السياسة الخارجية الأمريكية، وتعيد «رسم التحالفات» السياسية والاقتصادية والعسكرية بعد أن باتت «المعادن النادرة» هي التي ترتب «الأولويات الجيو- سياسية» لسياسات البيت الأبيض، وأبرز هذه المؤشرات هي:

أولاً: مشروع «القبو» Vault project
وهو مشروع واعد أطلقه ترامب في فبراير الجاري، ويهدف إلى تخزين معادن نادرة في قاع المحيط بما يتراوح بـ12 مليار دولار، ويهدف إلى حماية المصنعين الأمريكيين مما يسميه المشروع «قبضة الصين».
ثانياً: شراكة أمن المعادن
تعمل الولايات المتحدة مع شركاء مثل الاتحاد الأوروبي واليابان على تعزيز الاستثمارات التي تلتزم بالمعايير البيئية والاجتماعية والحوكمة في «المعادن النادرة»، ولدعم هذه التوجه قام الرئيس ترامب بداية من الشهر الجاري بـ«تفعيل» قانون الإنتاج الدفاعي «لتمويل مشروعات ضخمة لاستخراج وتكرير وتنقية المعادن النادرة حول العالم بشرط ألا تكون الصين شريكاً فيها».
ثالثاً: المعادن «المعادية»
اللافت أن الولايات المتحدة بدأت تتحدث عن «المعادن المعادية» عند الحديث عن التشدد الصيني في توريد هذه المعادن إلى الولايات المتحدة، وتقصد واشنطن بذلك «القيود» التي فرضتها بكين على تصدير مواد مثل الجاليوم والجرمانيوم، ولهذا أصدر ترامب أوامر تنفيذية لضبط الواردات تحت المادة 232 من قانون توسيع التجارة، ويرى هذا القانون أن الاعتماد على «قوى معادية» في الحصول على المعادن النادرة يهدد الرفاهية الاقتصادية والأمن القومي الأمريكي.
رابعاً: أوكرانيا والسياسة الأمريكية
تغير السياسة الخارجية للرئيس ترامب تجاه أوكرانيا بنسبة 100% عن إدارة الرئيس السابق جو بايدن، ويعود ذلك بشكل كبير إلى «المعادن النادرة»، فرؤية الرئيس ترامب لوقف الحرب الروسية الأوكرانية تستند إلى أن وقف الحرب سوف يتيح للولايات المتحدة الحصول على نحو 500 مليار دولار في صورة «معادن نادرة» من أوكرانيا، وهناك تقديرات أمريكية تقول إن المعادن النادرة في أوكرانيا تصل قيمتها إلى نحو 10 تريليونات دولار، وعرضت روسيا نفسها بيع المعادن النادرة للرئيس ترامب من المقاطعات الأربع التي تسيطر عليها في أوكرانيا وهي لوجانسك ودونيستيك وخيرسون وزاباروجيا، في السابق كان الخطاب الأمريكي يدعم أوكرانيا بالكامل ضد روسيا، لكن خطاب ترامب تغير تماماً ويعتبر روسيا هي المنتصرة في الحرب، وأن أوكرنيا يستحيل عليها أن تهزم روسيا، وتنخرط إدارة ترامب في مباحثات نشطة مع أوكرانيا في أبوظبي وإسطنبول وجنيف بهدف وقف الحرب، لكن العين على «المعادن النادرة» الأوكرانية .

خامساً: جرينلاند والقطب الشمالي
هناك اهتمام أمريكي خاص «بالقطب الشمالي» الذي يحتوي على 31 مادة من أصل 34 مادة خام اعتبرها الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «عناصر نادرة» لإنتاج الطاقة النظيفة مثل التوربينات الهوائية والألواح الشمسية وبطاريات السيارات الكهربائية، وتقف المعادن النادرة وراء تزامن الاهتمام الأمريكي غير المسبوق بالقطب الشمالي برغبة الرئيس ترامب في شراء أو احتلال «جزيرة جرينلاند» التي تدور التقديرات أن بها مواد تقدر بنحو «1.5» مليون طن، وبعد اجتماعات ماراثونية مع حكومة جرينلاند ومملكة الدانمارك وحلف «الناتو» قال ترامب: إن بلاده توصلت إلى «إطار عمل» حول جرينلاند يضمن الوصول إلى عناصرها «النادرة الضخمة» وتشير التقديرات الأمريكية إلى أن جرينلاند بها معادن نادرة تصل قيمتها إلى نحو 400 مليـار دولار، لكن الأهم أنها قريبة جداً من الأراضي الأمريكية.
سادساً: تحالفات المعادن
أدخلت الولايات المتحدة «المعادن النادرة» ضمن أولوياتها القصوى في التحالفات التي تقودها مثل «تحالف القيم»، وحلف دول شمال الأطلسي «الناتو»، وتحالف «أوكوس» وتحالف «كواد الرباعي»، وتحالف «العيون الخمس» المخابراتي، وتعمل الولايات المتحدة على مبادرات عملاقة تتعلق «بالمعادن النادرة» مع حلفائها مثل الهند وأستراليا واليابان والاتحاد الأوروبي والبرازيل حيث تمتلك دول مثل أستراليا والبرازيل والهند كميات كبيرة من المواد النادرة.
سابعاً: دبلوماسية المعادن في إفريقيا
باتت المعادن النادرة والحرجة «المحرك الرئيسي لإعادة صياغة السياسة الخارجية الأمريكية تجاه القارة الإفريقية حيث انتقلت واشنطن من سياسة تقديم المساعدات إلى (إستراتيجية مواجهة الهيمنة الصينية) على مناجم المعادن النادرة في إفريقيا حيث تملك إفريقيا نحو 30% من احتياطيات العالم المؤكدة من المعادن النادرة بما في ذلك الكوبالت والنحاس والليثيوم، ووفق تقديرات 2024، ولدى إفريقيا نحو 50% من 28 معدناً نادراً تحتاجها الصناعات العسكرية الأمريكية، ولهذا قامت الولايات المتحدة بعدد من الخطوات غير المسبوقة تجاه إفريقيا لتأمين المعادن النادرة ومنها:

1 - «ممر لوبيتو»
يُعد «ممر لوبيتو» حجر الزاوية في السياسة الأمريكية الجديدة للحصول على المعادن النادرة في إفريقيا، وذلك عقب استثمار نحو 4 مليارات دولار لبناء خطوط سكك حديدية ولوجستيات تسهم في ربط مناطق تعدين النحاس والكوبالت في جمهورية الكونجو الديمقراطية وزامبيا بميناء لوبيتو في أنجولا، وسوف يسهم هذا المشروع في تقليل زمن شحن المعادن النادرة للولايات المتحدة وحلفائها من شهر إلى أسبوع واحد.
2 - المعادن مقابل السلام
وهو الشعار الذي رفعه الرئيس ترامب من أجل وقف الحرب بين رواند والكونغو الديمقراطية التي لديها احتياطيات ضخمة من المعادن النادرة، ولعب البيت الأبيض دوراً حيوياً في التوصل إلى اتفاقية لوقف الحرب بين الكونجو الديمقراطية ورواند انطلاقاً من حاجة واشنطن للمعادن النادرة الموجودة في الأراضي الكونغولية حتى تكون الأراضي الكونغولية جاهزة لاستخراج المعادن النادرة بعد وقف الحرب، وقال الرئيس ترامب بوضوح خلال حفل وقف الحرب بين «الكونغو ورواندا» الولايات المتحدة مستعدة لمساعدة الكونغو في ملف الأمن مقابل الحصول على المعادن النادرة.
*******
المؤكد أن المعادن النادرة لم تعد «ملفاً اقتصادياً» في عهد «ترامب الثاني»، بل أصبحت المحرك الفعلي لسياسة خارجية تسعى إلى «تأمين» سلاسل التوريد من المعادن النادرة لضمان التفوق والهيمنة الأمريكية ليس فقط في المجالات الحيوية مثل الفضاء والسيارات الكهربائية بل لبناء «درع معدني» يحمي التفوق العسكري الأمريكي في مواجهة التنين الصيني.
