«الإنجاز في ظاهره قد يبدو لحظة احتفال أو صورة على منصة، لكن حقيقته أشبه بجبل جليدي، الناس ترى الجزء الظاهر فوق السطح، ولا ترى ما تحته من تعب، وإصابات، وآلام، وضغوط، وحرمان، وأيام لم يكن فيها خيار سوى الاستمرار،
ولحظات نختار فيها أن نفعل ما لا يفعله غيرنا لنصل إلى ما لم يصل إليه غيرنا»، هكذا خاطبنا السباح الإماراتي عبيد الجسمي، الذي حصد وثلاثة من أشقائه رقماً قياسياً عالمياً في سباق التتابع في بطولة العالم، في سابقة هي الأولى في التاريخ.
قال الجسمي: كانت هذه أول مرة يشارك أربعة إخوة معاً في سباق تتابع ضمن بطولة عالمية رسمية، واعتمد هذا الإنجاز رسمياً الاتحاد الدولي للسباحة، وكذلك موسوعة «غينيس» للأرقام القياسية.
وأكد أن دخول اسم الأسرة رسمياً في الموسوعة، لم يكن مجرد شهادة أو رقم يُضاف إلى سجل، بل هو تتويج لسنوات طويلة من الالتزام، والاستيقاظ قبل الفجر، والتدريب بصمت، وتحمّل التعب وتقديم التضحيات. هذا الإنجاز لم يكن إنجاز فرد، ولم يكن أسماء شخصية، بل كان اسم عائلة، ووطن نحمله في قلوبنا قبل أن نحمله على صدورنا. وعند اعتماد الرقم رسمياً، شعرنا أن كل لحظة تعب تحولت إلى فخر، وكل تضحية تحولت إلى معنى، وكل ألم أصبح جزءاً من قصة نجاح.
البداياتوسرد الجسمي قصتهم قائلاً: البداية كانت مصادفة... لكنها صنعت قدراً، مثل أغلب الأطفال، كانت كرة القدم لعبتنا الأولى. بعد المدرسة كنا نتجه مباشرة إلى الملعب لنلعب ونفرغ طاقتنا، والدنا رحمه الله رأى فينا حماسة كبيرة، فأراد أن يوجه هذه الطاقة في إطار منظم، فقرر أن يأخذنا إلى نادي الوحدة في أبوظبي لتسجيلنا في كرة القدم، وصلنا إلى النادي، لكن لم يكن هناك أحد في الملعب في ذلك الوقت، وكنا على وشك المغادرة وكأن الموضوع انتهى قبل أن يبدأ، وفي تلك اللحظة توقفت حافلة أمام النادي، ونزل منها اللاعبون، ثم نزل المدرب، تقدم والدنا وسأله: أريد أن أسجل أبنائي في كرة القدم، أين يمكنني تسجيلهم؟ نظر المدرب إلينا ثم قال للوالد: لماذا كرة القدم؟ لماذا لا تدخلهم سباحة؟
ومن هذه اللحظة بدأ يقنعه بأن السباحة رياضة تبني الجسم والشخصية، وتعلم الانضباط والصبر والتحمل، ووالدنا رحمه الله كان غوّاص لؤلؤ سابقاً، يعرف البحر جيداً، ويعرف قيمة الصبر وقوة النفس، فلامست الفكرة شيئاً داخله. في تلك اللحظة اتُخذ القرار، سجلنا في السباحة، وبدأت الرحلة.
وقال الجسمي: الأسرة كانت الأساس، وكانت البداية والنهاية في كل إنجاز، نحن دائماً نقول إن والدينا كانا الراعي الرسمي لنا، حيث لم يكن لدينا راعٍ ماديّ في بداياتنا، لكن كان لدينا دعم لا يُقدّر بثمن، كانا معنا في كل بطولة، في كل سفر، في كل تدريب، كانا في المدرجات قبل أن نصل، ويغادران بعد التأكد من أننا خرجنا سالمين. ولولا دعم الأسرة، لما وصلنا إلى هذا المستوى.
تنافس أخوي
وعن التنافس بينهم أضاف: الأخوّة كانت القوة الحقيقية في مسيرتنا، التنافس بيننا كان موجوداً منذ البداية، لكنه لم يكن يوماً سلبياً، بل كان إيجابياً يدفع كل واحد منا ليكون أفضل نسخة من نفسه، والدنا كان يؤمن دائماً بأن اجتماعنا قوة، كان يقول لنا: أنتم إخوة، طبيعي أن يكون بينكم تنافس، لكن أريده تنافساً يرفعكم لا يفرقكم، في النهاية أنتم تمثلون أنفسكم، وتمثلون أسرتكم، وتمثلون دولتكم.
وتابع: سرنا على هذا النهج، كل واحد فينا كان يسعى ليطور نفسه، لكن في الوقت نفسه يدفع أخاه للأمام.
وقال: بهذه الروح استطعنا أن نتدرج في الإنجازات من بطولات محلية، إلى خليجية، إلى عربية، ثم آسيوية، وصولاً إلى بطولات عالمية وأولمبية، وانتهاءً بموسوعة «غينيس» للأرقام القياسية. كل محطة كانت ثمرة روح جماعية، لا جهداً فردياً فقط، الأخوّة لم تكن مجرد علاقة أسرية، بل منظومة دعم، وقوة داخلية، وسراً من أسرار الاستمرارية والإنجاز.
حدث تاريخي
وقال عبيد لم يكن الأمر مجرد مشاركة أسرية، بل حدثاً تاريخياً موثقاً، جمع بين البعد الرياضي والبعد الإنساني في آنٍ، فأن يجتمع أربعة إخوة على منصة بطولة عالم، ويمثلوا دولتهم في سباق واحد، هو بحد ذاته رسالة قبل أن يكون رقماً.سباقات التتابع تعتمد على أجزاء من الثانية، وعلى تناغم كامل بين السباحين في لحظة التسليم، وأي خطأ خفيف قد يُفقد الفريق الإنجاز بالكامل، لذلك تعاملنا مع الموضوع بوصفه مشروعاً متكاملاً، تطلّب إعداداً عالي المستوى.
وأضاف: هذا الإنجاز بداية مسؤولية أكبر، وليس نهاية طريق، رسالة واضحة بأن الأسرة عندما تتوحد حول هدف، تستطيع أن تصنع أثراً عالمياً يتجاوز حدود الرياضة.هذا الإنجاز أكد لنا أن الاتحاد قوة.