أكد متخصصون في علم النفس التربوي أن التعرض المستمر للأخبار السلبية والأحداث المتوترة يترك آثاراً نفسية واضحة لدى الطلبة، خصوصاً في ظل متابعة بعضهم لما يتداول حول الأزمات الإقليمية والاعتداءات الإيرانية السافرة التي تستهدف دولة الإمارات.

وشدّدوا على الدور المحوري للأسرة والمدرسة في هذه الظروف، لحماية التوازن النفسي للأطفال والمراهقين، عبر تقديم الطمأنينة وتنظيم المعلومات، وتوفير الدعم النفسي عند الحاجة. وتحرص مدارس عدة على طمأنة الطلبة وأولياء الأمور وتأكيد استمرار الدعم، حيث أوضحت إدارات مدرسية عبر تعميمات أن فرق الخدمة النفسية متاحة لتقديم استشارات التعامل مع أي مشاعر قلق أو تساؤلات.

أوضحت الدكتورة مروة توفيق، أخصائية علم النفس التثقيفي، أن التعامل مع أسئلة الأطفال الصعبة يمكن اختصاره في قاعدة نفسية من أربع خطوات: الإنصات أولاً، ثم فهم ما وراء السؤال، ثم تقديم تفسير بسيط وهادئ، وأخيراً إنهاء الحديث برسالة طمأنة.

 

وتصف هذه الخطوات بأنها معادلة ذهبية تساعد الوالدين على الإجابة عن الأسئلة الحساسة، خصوصاً في أوقات عدم اليقين، من دون نقل مخاوفهم الشخصية إلى الأطفال، وأشارت إلى أن سؤال الطفل غالباً ما يكون بحثاً عاطفياً عن الأمان، إذ يتساءل في داخله: هل عالمي آمن؟ وهل يشعر والداي بالهدوء أم بالخوف؟

وتوضح أن الأطفال يتذكرون المشاعر التي رافقت الحوار أكثر من الكلمات نفسها، لذلك فإن نبرة الصوت الهادئة وإظهار التعاطف وترك باب الحوار مفتوحاً تعد عناصر أساسية لتعزيز شعور الطفل بالطمأنينة.

إجابات صادقة

لعل أفضل ما يمكن أن يقدمه الوالدان في هذه الظروف هو تقديم إجابات صادقة لكنها بسيطة دون إنكار الواقع أو الخوض في تفاصيل مخيفة، مع تشجيع الطفل على التعبير عن مخاوفه.

تقول ياسمين سيوس، استشارية نفسية، إن التعرض المتكرر للأخبار السلبية أو الأوضاع الضاغطة قد يضع الدماغ في حالة استنفار مستمرة، ويدخلها في ما يُعرف بوضعية «المواجهة أو الهروب»، حيث يزداد نشاط العقل ما يجعل الجهاز العصبي في حالة يقظة دائمة، حيث تنعكس هذه الحالة على الصحة النفسية والذهنية عبر تسارع الأفكار والاجترار الفكري والاستعداد العاطفي المفرط، ويستمر الدماغ في معالجة المحتوى المُقلق حتى أثناء النوم، الأمر الذي قد يؤدي مع الوقت إلى أحلام مزعجة أو كوابيس.

 

وتشير إلى أن من أبرز المؤشرات التي تستدعي الانتباه نوبات الهلع المتكررة، أو الأحلام المزعجة المتواصلة، أو استمرار القلق حتى بعد انتهاء الموقف، إضافة إلى اضطرابات النوم أو التأثير في الروتين اليومي والصحة العاطفية.

وأوضحت أن الضغط النفسي الحاد قد يظهر عبر مجموعة من العلامات، أبرزها فرط الاستثارة الذهنية وتسارع الأفكار والشعور الدائم باليقظة وصعوبة تهدئة النفس، ولمواجهة هذا الضغط عند الطلبة، أكدت أهمية وجود روتين يومي منتظم وتوفير الطمأنينة والدعم العاطفي يسهمان في تهدئة الجهاز العصبي وتعزيز الشعور بالاستقرار.

أخطاء شائعة

حذر الدكتور وليد العمر، أخصائي الطب النفسي في مستشفى ميدكير الشارقة، من بعض الأخطاء التي قد يقع فيها الآباء عند الحديث مع الأطفال عن الأزمات، ويقول إن من أبرز هذه الأخطاء إغراق الطفل بتفاصيل كثيرة أو استخدام لغة مشبعة بالخوف، إضافة إلى إسقاط الآباء لمشاعر القلق الخاصة بهم على الأطفال، أو تقديم إجابات غير متسقة، أو تجنب الحديث عن الموضوع تماماً، ما يترك الطفل في حالة من عدم اليقين. ويُشدّد على أن الشرح الهادئ وبأسلوب مناسب يساعد على فهم الأحداث دون ضغط نفسي غير ضروري، ولفت إلى أن القلق أو الصدمة لدى الأطفال قد يظهران عبر تغيرات في السلوك أو المزاج، مثل التعلق الزائد بالوالدين أو سرعة الانفعال أو صعوبة النوم وتكرار الكوابيس، كما قد يلاحظ الأهل انسحاب الطفل من الأنشطة التي كان يستمتع بها، أو حدوث تغيّر مفاجئ في الشهية، إضافة إلى ظهور أعراض جسدية مثل آلام المعدة أو الصداع المرتبط بالتوتر. ويؤكد أن مراقبة هذه التغيرات لفترة زمنية تساعد في تحديد ما إذا كان الطفل يحتاج إلى دعم إضافي.

 

وأكد أهمية الحد من تعرض الأطفال للأخبار، لتجنب تعريضهم لمستويات غير ضرورية من القلق. ويقترح تحديد أوقات واضحة لمتابعة الأخبار وتجنب عرضها قبل النوم، إضافة إلى تصفية المحتوى ليتناسب مع أعمار الأطفال.

الركائز الأساسية

أكد تربويون أن الدعم النفسي للطلبة يمثل إحدى الركائز الأساسية للحفاظ على استقرارهم في أوقات الأزمات والتوترات، مشيرين إلى أن توفير بيئة تعليمية مطمئنة يسهم في تخفيف مشاعر القلق وتعزيز شعور الطلبة بالأمان، وأوضحوا أن دور المدارس والمعلمين لا يقتصر على الجانب الأكاديمي فحسب، بل يمتد ليشمل الاستماع إلى الطلبة واحتواء مخاوفهم، وتعزيز الحوار الإيجابي معهم، بما يساعدهم على مواصلة التعلم بثقة واستقرار.

تقول سعاد أبو حرب، مديرة مدرسة دبي الوطنية - البرشاء، إن المدرسة أولت خلال الأيام الماضية اهتماماً كبيراً بالدعم النفسي والمعنوي للطلبة في ظل الظروف الاستثنائية التي شهدتها المنطقة، والتي استدعت التحول المؤقت إلى نظام التعلم عن بُعد.

 

وأوضحت أن إدارة المدرسة حرصت منذ اللحظة الأولى على تزويد الكوادر التعليمية بتوجيهات واضحة تضمن تضافر جهود المعلمين والإداريين لتقديم أفضل أشكال الدعم المعنوي للطلبة، وتهيئة بيئة تعليمية مطمئنة تساعدهم على مواصلة التعلم بثقة واستقرار.

وأضافت أن المعلمين والمرشدين التربويين عملوا على تعزيز التواصل الإيجابي مع الطلبة، وإتاحة مساحات للحوار والاستماع إلى مشاعرهم وتساؤلاتهم، بما يسهم في تعزيز شعورهم بالأمان والطمأنينة.

كما أشارت إلى أن المدرسة تتابع باستمرار التعليمات الصادرة عن الجهات الرسمية، التزاماً بالعمل ضمن منظومة وطنية متكاملة تهدف إلى ضمان سلامة المجتمع وتكامل الجهود على مستوى الدولة. وأكدت أن المدرسة ستبقى بيئة آمنة وداعمة لطلبتها.

سياسات مرنة

أكد الدكتور محمد الزفين، جامعة دبي، أن التعليم يواجه في المرحلة الراهنة تحديات متسارعة، مشيراً إلى أن الأوضاع الإقليمية وما تشهده المنطقة من توترات وحروب جعلت مسألة الأمن والاستقرار أولوية قصوى، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بسلامة الطلبة وأفراد المجتمع.

 

وأوضح أن السياسات التعليمية المرنة في دولة الإمارات تعكس إدراكاً واضحاً لهذه التحديات، إذ تضع سلامة الطلبة والعاملين في المؤسسات التعليمية في مقدمة الأولويات، مع الحرص في الوقت نفسه على استمرار العملية التعليمية بصورة متوازنة ومسؤولة.

وأشار إلى أن قرار تقديم الإجازة الدراسية في هذا التوقيت لم يكن مجرد إجراء إداري، بل يعكس بعداً إنسانياً وتربوياً يهدف إلى حماية الطلبة وتوفير الطمأنينة للأسر، مؤكداً أن سلامة المجتمع تبقى دائماً في صدارة الأولويات.

وأضاف أن المؤسسات التعليمية، تدرك طبيعة هذه التحديات وتدعم توجهات الدولة الرامية إلى التخفيف من الضغوط على الأسر والطلبة، وإتاحة الوقت الكافي للتعامل مع الظروف الراهنة مع الحفاظ على القيم التعليمية والأهداف التربوية.

ولفت إلى أن المجتمع يمارس حياته اليومية بهدوء رغم سماع عبارات مثل «تم الاعتراض والتصدي»، وهو ما يعكس الجهود الكبيرة التي تبذلها القيادة لحماية الوطن، مؤكداً أن هذه السياسات الحكيمة تضع الإنسان أولاً، وتجعل من التعليم منظومة قائمة على المسؤولية والرعاية وبناء مستقبل الطلبة في بيئة آمنة ومستقرة.