أدت الحرب على إيران واعتدائها السافر في المنطقة إلى تصاعد موجات من الاضطراب في أسواق السلع العالمية، ويعد قطاع الأسمدة من بين القطاعات التي بدأت تشعر بآثار هذا التوتر، فعلى الرغم من أن أسعار النفط والغاز عادة ما تتصدر عناوين الأخبار خلال الأزمات الإقليمية، فإن سوق الأسمدة -المرتبط ارتباطاً وثيقاً بإمدادات الطاقة وطرق الشحن والاستقرار الجيوسياسي-أصبح أكثر عرضة للتأثر بالاضطرابات الناجمة عن التوترات في المنطقة.
من الأسمدة النيتروجينية التي تُنتج باستخدام الغاز الطبيعي إلى صادرات الفوسفات التي تُنقل عبر ممرات بحرية استراتيجية، يقف الشرق الأوسط عند مفترق طرق مهم في تجارة الأسمدة العالمية، وأي حالة عدم استقرار طويلة الأمد قد تؤدي إلى ارتفاع كُلف الإنتاج وتعطل سلاسل الإمداد، وفي نهاية المطاف زيادة أسعار الغذاء حول العالم.
وتعتمد صناعة الأسمدة، وخاصة الأسمدة النيتروجينية مثل الأمونيا واليوريا، بشكل كبير على الغاز الطبيعي، فالغاز يُستخدم كمادة أولية وكطاقة في عملية «هابر–بوش» التي تُحوِّل النيتروجين الموجود في الهواء إلى أمونيا، وهي المادة الأساسية لمعظم الأسمدة النيتروجينية.
وتُعد عدة دول في الشرق الأوسط من كبار المنتجين لهذه المنتجات، من بينها الإمارات، السعودية، قطر وإيران، وتستفيد صناعات الأسمدة في هذه الدول من وفرة احتياطيات الغاز الطبيعي وانخفاض كلفته نسبياً، ما يمكّنها من تزويد الأسواق العالمية بكميات كبيرة.
يشير محللون إلى أن أسواق الأسمدة شديدة الحساسية للتغيرات في أسعار الغاز الطبيعي. فعندما ترتفع أسعار الغاز بشكل حاد -كما يحدث غالباً خلال الأزمات الجيوسياسية- تقفز كُلف إنتاج الأمونيا واليوريا. وفي أوروبا، على سبيل المثال، خفّضت شركات تصنيع الأسمدة إنتاجها في السابق عندما ارتفعت أسعار الغاز إلى مستويات جعلت تشغيل المصانع غير مجدٍ اقتصادياً.
ممرات الشحن الاستراتيجية
تتفاعل شركات الشحن وشركات التأمين بسرعة مع المخاطر خاصة في مضيق هرمز، إذ يمكن أن ترتفع أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب بشكل كبير خلال فترات الصراع، مما يضيف تكاليف إضافية على كل شحنة تمر عبر المنطقة، وقد تختار بعض شركات الشحن سلوك طرق أطول لتجنب المناطق الخطرة، الأمر الذي يزيد من زمن النقل وكُلف الشحن.
وبالنسبة للأسمدة، التي تُنقل عادة بكميات ضخمة عبر القارات، فإن ارتفاع كُلف النقل يمكن أن ينعكس بشكل كبير على الأسعار النهائية في الدول المستوردة.
وقد تكون العواقب أشد على المناطق التي تعتمد بشكل كبير على استيراد الأسمدة، مثل أجزاء واسعة من أفريقيا وجنوب آسيا وأمريكا اللاتينية.
وتستحوذ روسيا وبيلاروسيا معاً على حصة كبيرة من صادرات البوتاس العالمية، وهو عنصر أساسي في الأسمدة. وقد أدت العقوبات على روسيا بعد حربها في أوكرانيا والاضطرابات اللوجستية إلى تقليص صادرات المنطقة بشكل حاد، بينما أجبرت أسعار الغاز المرتفعة العديد من مصانع الأسمدة الأوروبية على خفض الإنتاج.
وكانت النتيجة أزمة إمدادات عالمية دفعت أسعار الأسمدة إلى الارتفاع وأثارت مخاوف بشأن الأمن الغذائي في العديد من الدول النامية.
انعكاسات على الزراعة
بالنسبة للمزارعين حول العالم، تمثل كُلف الأسمدة أحد أهم عناصر الإنتاج الزراعي، وغالباً ما تجبر أسعار الأسمدة المرتفعة المزارعين على تقليل استخدامها، ما قد يؤدي إلى انخفاض إنتاجية المحاصيل.
ويؤدي انخفاض الإنتاج بدوره إلى تقلص إمدادات المحاصيل الأساسية مثل القمح والذرة والأرز، ما قد يدفع أسعار الغذاء العالمية إلى الارتفاع.
ويثير هذا الأمر قلقاً خاصاً في الدول التي تعاني بالفعل انعدام الأمن الغذائي. فالعديد من الدول النامية تعتمد بدرجة كبيرة على استيراد الأسمدة للحفاظ على إنتاجيتها الزراعية.
وحذرت منظمات دولية مراراً من أن تعطل سلاسل إمداد الأسمدة يمكن أن يترك آثاراً طويلة الأمد على الزراعة العالمية، خاصة عندما يضطر المزارعون إلى خفض معدلات استخدام الأسمدة لعدة مواسم زراعية متتالية.وتسعى بعض الشركات إلى تنويع مصادر التوريد أو إبرام عقود طويلة الأجل لتقليل تعرضها للتقلبات الجيوسياسية، كما تعمل شركات أخرى على زيادة المخزونات تحسباً لأي اضطرابات محتملة.