د. سالم علي بن ارحمه
في زمنٍ تتسارع فيه المتغيرات وتتبدل المفاهيم، يبقى الخُلُق الحسن الثابت الذي ترتكز عليه المجتمعات، والأساس الذي تُبنى عليه الأسرة الصالحة. والأخلاق ليست مجرد سلوك عابر، بل هي منهج حياة يحدد قيمة الإنسان ويصوغ علاقاته مع الآخرين. وإذا كان لكل أمة عنوان تفتخر به، فإن عنوانها الأسمى هو أخلاق أبنائها، لأنها المعيار الحقيقي للرقي والميزان الدقيق للتفاضل بين الناس.
والمرءُ بالأخلاقِ يسمو ذكْرهُ وبها يُفضلُ في الورى ويوقرُ
لقد أدرك الحكماء والعلماء منذ القدم أن حسن الخلق هو الطريق الأقرب إلى قلوب الناس، وهو الاستثمار الحقيقي في بناء العلاقات الإنسانية، فالأخلاق الطيبة تزرع المحبة في القلوب، وتطفئ نار العداوة، وتصون للإنسان كرامته وسمعته. أما سوء الخلق، فيكفيه أن يفسد أجمل الصفات، ويهدم كثيراً من الإنجازات، ما يبين أن الأخلاق هي الأساس الذي تُبنى عليه بقية الصفات، وأحسن حافظ إبراهيم شاعر النيل حين قال:
فَإِذا رُزِقتَ خَليقَةً مَحمودَةً فَقَدِ اصطَفاكَ مُقَسِّمُ الأَرزاقِ
فَالناسُ هَذا حَظُّهُ مالٌ وَذا عِلمٌ وَذاكَ مَكارِمُ الأَخلاقِ
لا تَحسَبَنَّ العِلمَ يَنفَعُ وَحدَهُ ما لَم يُتَوَّج رَبُّهُ بِخَلاقِ
إن العلم مهما بلغ شأنه، والشهادات مهما علت درجاتها، لا تكتمل قيمتها إن لم تُتوَّج بحسن الخلق، فما قيمة شهادة بلا أدب؟ وما جدوى معرفة لا تتحول إلى سلوك كريم؟ فالأخلاق هي التي تمنح العلم جماله، وتمنح النجاح معناه. لذلك قيل قديماً إن جمال النفس أسمى من جمال الصورة، وإن قيمة الإنسان الحقيقية فيما يحمله من مبادئ، لا فيما يملكه من مظاهر.
والأخلاق ليست أمراً فطرياً محضاً لا يتغير، بل يمكن تهذيبها وتقويمها بالإرادة الصادقة والتربية الواعية. وكما يصاب الجسد بالمرض، قد تُصاب الأخلاق بالضعف، لكن علاجها ممكن لمن صدق العزم وسعى إلى إصلاح نفسه كما قال الله تعالى: «قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا». أي: أصلح نفسه وطهرها ونقاها من العيوب والرذائل والأخلاق الدنيئة، ورقاها وعلاها بالمكارم والأعمال الصالحة.
ومن أسمى القواعد في هذا الباب قول الله تعالى: «ادفع بالتي هي أحسن»، وهي قاعدة أخلاقية ربّانية راقية في التعامل مع الناس تدعو إلى مقابلة الإساءة بالإحسان، والغضب بالحلم، والقسوة باللين.
والأخلاق ليست معادلة حسابية، بل هي معاملة ربانية «وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم»، فحسن الخلق من أعظم ما يتّصف به الإنسان، لأنّ الأخلاق الحسنة هي معيار التفاضل بين الناس، وهي الأساس في بناء المجتمعات الفاضلة، كما أنّ حسن الخلق دليلٌ على التربية السليمة وقوّة الوازع الديني، ومن جميل ما قيل: «اجعل من يراك يدعو لمن ربّاك».
رأى شيخ كبير شاباً متحمساً لنيل شهادة التخرج فقال له: «يا ولدي ترى شهادتك لك، لكن أخلاقك للناس، فحافظ على أخلاقك قبل علمك».
ليس الجمال بأثواب على بدن إن الجمال جمال العلم والأدب
وفي إطار «عام الأسرة»، تتجلى أهمية الأخلاق أكثر من أي وقت مضى، فالأخلاق هي العمود الفقري للحياة الأسرية المستقرة. والأسرة ليست جدراناً صماء، بل منظومة قيم وسلوكيات يتربى عليها الأبناء، فحين يرى الطفل في والديه الصدق، والرحمة، والصبر، والاحترام، تنطبع هذه المعاني في شخصيته وتصبح جزءاً من تكوينه. وهكذا تنتقل الأخلاق من جيل إلى جيل، لا بالمواعظ وحدها، بل بالقدوة الحسنة والسلوك اليومي.