يقدم كتاب «في الهواء.. على الرمال: رحلة في قلب الصحراء» للمستكشف المجري لاسلو ألماشي، بترجمة عبد الله عبد العاطي النجار، ومراجعة علمية للدكتور عاطف معتمد، شهادة حية على واحدة من أهم مراحل استكشاف الصحراء الكبرى في النصف الأول من القرن العشرين.
يأخذ المؤلف القارئ في رحلة ممتدة داخل ما يسميه «الصحراء الكبرى في ثلاث دول ثلاث»، وهي المنطقة الممتدة عبر صحاري شرق ووسط ليبيا وغرب مصر وشمال غرب السودان، التي يُعرف الجزء الواقع داخل الحدود المصرية منها باسم الصحراء الغربية.
وقد ظلت هذه الرقعة الشاسعة لعقود طويلة مناطق شبه مجهولة على الخرائط الحديثة، حتى بدأ عدد من المستكشفين في اقتحامها خلال النصف الأول من القرن العشرين.
قضى ألماشي سنوات طويلة متنقلاً بين الكثبان الرملية والوديان والواحات، باحثا عن أسرار الصحراء المدفونة تحت الرمال، وتمتد تجاربه التي يسجلها الكتاب بين أوائل الثلاثينيات ومنتصف الثلاثينيات، حيث يوثق رحلاته الاستكشافية التي جمع خلالها بين المغامرة وروح البحث العلمي، ليقدم للقارئ سجلاً إنسانيًا وعلميًا عن واحدة من أقسى البيئات الطبيعية في العالم.
ولد ألماشي عام 1895 في المجر، وتلقى تعليمه في المعاهد العسكرية التابعة للإمبراطورية النمساوية المجرية، قبل أن يخدم طياراً في الحرب العالمية الأولى، وهي الخبرة التي ستقوده لاحقاً إلى استخدام الطائرات والسيارات في رحلات الاستكشاف الصحراوي، في وقت كان فيه الاعتماد الأساسي ما يزال على القوافل التقليدية والجمال.
وقد عُرف عنه احترامه الكبير للثقافات المحلية، إذ تعلم اللغة العربية واستعان بالسكان المحليين في رحلاته، مستفيدًا من معرفتهم العميقة بطبيعة الصحراء.
من أبرز إنجازاته اكتشاف واحة «زرزورة» الأسطورية عام 1932، التي ظلت لقرون طويلة مجرد حكاية متداولة بين سكان الواحات المصرية، كما قام عام 1933 بإعداد خرائط تفصيلية للجزء الشرقي من هضبة الجلف الكبير، واكتشف كهف السباحين الشهير الذي يضم رسومات صخرية يعود عمرها إلى أكثر من عشرة آلاف عام، تُظهر أشخاصاً في وضع السباحة، في إشارة إلى أن المنطقة كانت في عصور سحيقة أكثر رطوبة مما هي عليه اليوم.

*وصف دقيق


لا يقتصر الكتاب على تسجيل الاكتشافات الجغرافية، بل يقدم أيضاً وصفاً دقيقاً لتقنيات الاستكشاف الحديثة في ذلك الزمن، مثل استخدام السيارات والطائرات الشراعية، إلى جانب ملاحظات إثنوغرافية مهمة عن حياة القبائل المحلية من البدو والتبو، وعاداتهم وأساليبهم في التكيف مع البيئة الصحراوية القاسية.
يتكون الكتاب من عشرة فصول، يروي فيها المؤلف محطات مختلفة من رحلاته بين عامي 1931 و1936، بدءاً من محاولته الأولى لاستكشاف الصحراء بالطائرة، مروراً بتجارب فقدان الطريق والعطش في قلب الرمال، وصولاً إلى عبور بحر الرمال العظيم، ولقائه بقادة القوافل الذين ساعدوه في فك بعض ألغاز الصحراء.
يمتاز أسلوب ألماشي بالجمع بين الدقة العلمية والسرد الأدبي المشوق، إذ يقدم وصفاً حياً للمشاهد الطبيعية والمواقف الإنسانية، في عمل يظل واحداً من أهم المصادر المباشرة عن تاريخ استكشاف الصحراء الكبرى في تلك المرحلة المبكرة من القرن العشرين.