د.أيمن سمير

«انتهى زمن العالم القائم على القواعد، وإذا لم نكن على الطاولة سوف نكون في قوائم الطعام»..

هذه الكلمات يؤمن بها ويسوق لها مارك كارني رئيس الوزراء الكندي الذي لم يتوقف عند تشخيص حالة العالم الراهنة بل طرح رؤية لهندسة بديلة عن النظام العالمي الحالي عندما تحدث عن ضرورة أن تتخذ القوى المتوسطة موقعها في صياغة «مسار ثالث» بعيداً عن الصراعات الثنائية والأنانية السياسية والاقتصادية التي سادت العالم منذ نحو 80 عاماً، وجاءت هذه الدعوة ليست بدافع كراهية النظام الحالي، بل بضرورة الاستعداد لما هو قادم، فالمصرفي الكندي الذي تولى الحكم في مارس 2025 يرى أن الفرصة سانحة للعمل وفق عقيدة سياسية جديدة جاءت بها وساهمت في تشكيلها تطورات جيو- سياسية لم تكن موجودة من قبل.

وهناك اعتراف - سواء في الشرق أو الغرب - بأن النظام القائم على القواعد الموروث بعد نهاية الحرب العالمية الثانية لم يعد صالحاً لعالم 2026، وهو ما يقتضي تعزيز مكانة «القوى المتوسطة» في إدارة النظام الاقتصادي والسياسي الدولي، وذلك لأسباب كثيرة منها انهيار النظام المالي الذي كان يقوم في السابق على ما يمكن وصفه بالحياد المالي أو «العولمة المحايدة»، لكن في ظل الرسوم الجمركية، وعسكرة الدولار، والعقوبات الاقتصادية، وتسييس نظام السويفت، وتوظيف سلاسل الإنتاج لأهداف سياسية فقد العالم القواعد الموحدة لصالح الدول العظمى بما يفرض على «القوى المتوسطة» البحث عن أدوات جديدة للحفاظ على مصالحها الوطنية، وهو ما يعني عملياً نهاية زمن العالم القائم على القواعد، خصوصاً في ظل فشل الدول العظمى في الالتزام بالقيادة الأخلاقية للعالم، والانزلاق إلى «حسابات صفرية» حيث يريد كل طرف الحصول على كل شيء، وينكر على الأطراف الأخرى حقها في أي شيء، وهو ما أدى إلى عجز المؤسسات الدولية مثل الأمم المتحدة، ومنظمة التجارة العالمية عن أداء وظيفتها بالحياد الذي يضمن مصالح باقي الدول غير العظمى، فالواقعية الجديدة التي يؤمن بها فريق «القوى المتوسطة» تنطلق من فرضية عدم قدرة الدول العظمى على حماية الحقوق التي تأسس عليها النظام القائم على القواعد، وهو ما يوجب على «القوى المتوسطة» القيام به.

ويعزز من تلهف العالم إلى دور جديد «للقوى المتوسطة» انشغال القوى الكبرى بمصالحها في وقت باتت باقي الدول تعاني «ضغوطاً وجودية» ظهرت مع السباق المحموم على الذكاء الصناعي، والتغيرات المناخية، وزيادة نفوذ الأحزاب الشعبوية واليمينية، وهو ما يضر بمصالح باقي الدول منها «الدول المتوسطة» مثل أستراليا والهند والبرازيل وإندونيسيا وجنوب إفريقيا، وهذا يفسر الحماس لدى الدول المتوسطة في تجاوز «البيروقراطية الدولية» خصوصاً أن «الدول المتوسطة» لم تعد تقبل بتهميشها أو تجاوز مصالحها أو اعتبارها مجرد «أدوات وأوراق» بيد القوى العظمى، فمعاني القوة تغيرت، ولم تعد فقط في طائرات الشبح، والصواريخ «فرط الصوت» بل أيضاً في امتلاك النماذج الناجحة في الذكاء الاصطناعي، والمعادن النادرة، ومصادر الطاقة، والممرات التجارية، وكل ذلك يقول إن «القوى المتوسطة» تستطيع أن تشكل «الكتلة الحرجة» التي تساعدها في صياغة ورسم معالم عالم جديد يتمتع بالمرونة والحياد.

فإلى أي مدى تستطيع الدول المتوسطة «إعادة هندسة» النظام الدولي؟ وما هي التحديات التي تواجه بناء «المسار الثالث» بعيداً عن الثنائيات الحادة؟

ما هي القوى المتوسطة؟

تختلف القوى المتوسطة عن القوى العظمى في أنها لا تملك كل عناصر القوة الشاملة التي تسمح للدول العظمى بالهيمنة السياسية والاقتصادية والعسكرية على العالم، لكن أيضاً تختلف القوى المتوسطة عن الدول الصغرى بقدرتها على «تعطيل» انفراد الدول العظمى بالقرار عندما يتعلق الأمر بمصالح «القوى المتوسطة»، وتملك «القوى المتوسطة» قدرات كبيرة في مجالات الطاقة والغذاء تمنحها مكانة رفيعة على مقاعد الكبار، ولا ترغب القوى المتوسطة أن تكون تابعة لهذه القوى العظمى أو تلك، وتنطلق سياساتها من مصالحها الوطنية التي تتفق مع القانون الدولي والمواثيق الدولية، لكنها في ذات الوقت تريد أن يكون لها دور في صياغة مستقبل العالم.

 

نظام بلا قواعد

وصف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون النظام العالمي الحالي بأنه نظام بلا قواعد، وذلك تأكيداً على تراجع الإيمان العالمي بما يسمى النظام القائم على القواعد، والمقصود به النظام الذي وضعه الحلفاء المنتصرون في الحرب العالمية الثانية، وكان يدعو إلى الالتزام بقواعد وقوانين دولية تطبق على الجميع مع ضمان سيادة الدول، ومنع الحروب الكبرى، وتسهيل التجارة، ويعتمد النظام القائم على القواعد على 3 ركائز رئيسية هي المؤسسات الدولية التي تضمن السلام العالمي مثل الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي لتحقيق الاستقرار الاقتصادي، والقانون الدولي الذي يجعل التنافس أمام المحاكم وليس الصراع العسكري، بجانب القيم السياسية التي تقوم على احترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، والاحتكام إلى الحلول السياسية والدبلوماسية، لكن هذا النظام القائم على القواعد بدأ يترنح بسبب فشله في منع الحروب أو حتى إيقافها كما نرى في أوكرانيا، وقيام الدول الكبرى بتسييس التجارة، لهذا يعتقد الكثيرون في «الدول المتوسطة» أن العقد الاجتماعي والسياسي الذي قام عليه النظام القائم على القواعد بات على وشك الانهيار.

مزايا ومكاسب

تمكين «القوى المتوسطة» من أداء دورها في صياغة عالم جديد بعيد عن «النظام القائم على القواعد» سوف يحقق مجموعة من المكاسب والمزايا هي:

1- صمام الأمان

صعود «القوى المتوسطة» للعب دور أكبر في صياغة القرارات الدولية والتوقف عن دور التابع أو المراقب سوف يعزز من الشفافية والعقلانية، ويحافظ على الأسواق المفتوحة بعيداً عن الإجراءات الحمائية وتوظيف المعادن النادرة لتحقيق أهداف سياسية، لأن «الدول المتوسطة» تستطيع بناء «علاقات هجين» مع القوى العظمى، فعلى سبيل المثال تستطيع «الدول المتوسطة» التعاون في مجالات الأمن والاستخبارات مع الولايات المتحدة، وتتعاون أكثر في الاقتصاد والمعادن النادرة مع الصين، والحصول على اليورانيوم المخصب لتشغيل محطات الطاقة النووية من روسيا بما يحول «الدول المتوسطة» عملياً إلى «صمام أمان» يمنع التصادم بين القوى العظمى.

2- عدالة

ترفيع مكانة «القوى المتوسطة» في النظام الدولي سوف يضمن مشاركة أوسع لعدد من الشعوب والأمم على طاولة صياغة المصالح والحقوق، وهو ما يجعل «القوى المتوسطة» مرادفاً للاستقرار، لأنها تملك القدرة الاقتصادية والدافع السياسي لمنع العالم من الانزلاق نحو فوضى القطبية الثنائية، خصوصاً مع إصرار هذه الدول على «رفض الانحياز الكامل» لمعسكر من المعسكرين الشرقي بقيادة روسيا والصين أو المعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، وتمسكها «بدبلوماسية التوازن».

3- قدرات فائقة

عندما نتحدث عن دول مثل كندا وأستراليا والبرازيل والهند وتركيا فهي دول تملك مقدرات هائلة في المعادن النادرة والمواد الخام والنفط والغاز الطبيعي ومراكز الابتكار التكنولوجي وسلاسل التوريد بما يجعلها قوة ذات تأثير كبير في التجارة والأسواق، الأمر الذي يجعلها قيمة كبيرة ولاعب جوكر لا يمكن تجاهله عند صياغة القرارات الدولية.

4- رافعة إقليمية

إذا نظرت إلى «القوى المتوسطة» تتأكد أنها تلعب دور القائد والمحفز للاستقرار والنمو في محيطها الإقليمي، وهو ما يجعل هذه الدول «قوة للاستقرار العالمي» انطلاقاً من دور هذه الدول في بناء الاستقرار الإقليمي، وهو ما يساهم في «سد الفراغ الجيوسياسي» الناجم عن «الصراعات الصفرية» بين القوى العظمى حول تايوان وأوكرانيا، وتستطيع «القوى المتوسطة» لعب دور كبير ليس فقط في «الوساطة» لوقف الحروب ونزع فتيل الصراعات، بل بتقديم مساهمات إيجابية تعزز السلام، وتبني التحالفات الاقتصادية الإقليمية، ووضع معايير شفافة وعادلة في ما يتعلق بالأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي.

5- التعددية الواقعية

في ظل الشلل الذي شاهدناه في مجلس الأمن نتيجة استخدام هذه الدولة أو تلك من الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن لحق النقض «الفيتو»، يأتي دور «القوى المتوسطة» من خلال التجمعات الاقتصادية والسياسية الجديدة التي تحاول أن تخلق مساحة من التوازن وحل الخلافات بناء على أسس جديدة وليس «نظام الفيتو» الموروث منذ عام 1945.

6- تحالفات غير أبدية

قام النظام القائم على القواعد على «تحالفات طويلة» مثل حلف دول شمال الأطلسي «الناتو» أو تحالف «العيون الخمس»، أو حتى مجموعة الدول السبع الصناعية الكبرى، وهي تحالفات تفرض على من فيها الالتزام بجدول أعمال الآخرين في الصراع والتنافس خارج هذه التحالفات، لكن «القوى المتوسطة» تقدم طرحاً مرناً يقوم على «دبلوماسية القضية الواحدة» بمعنى أن القوى المتوسطة لا تبحث عن «تحالفات أبدية» بل «شراكات متخصصة»، فيمكن للبرازيل أن تتعاون مع أستراليا في أنظمة الذكاء الاصطناعي، بينما تحصل البرازيل على أشباه الموصلات من الصين، وتشتري تكنولوجيا الأقمار الصناعية من روسيا، ومن يدقق في المشهد العالمي اليوم يتأكد له أن هناك تحركاً قوياً في هذا الاتجاه، فخلال جائحة كورونا على سبيل المثال اكتشف العالم أن الهند هي «صيدلية العالم» التي تستطيع أن توفر مليارات الأمصال، وهو أمر يقول إن القدرات الاقتصادية «للقوى المتوسطة» تمنحها قدرة تفاوضية تعادل القنابل النووية.

7- صانع ملوك

تستطيع «القوى المتوسطة» بما تملكه من مقدرات ضخمة وإرادة سياسية قوية أن تنجح ليس فقط في تأمين مصالحها الحيوية، بل أيضاً تستطيع من خلال «إعادة تموضعها» السياسي والاقتصادي أن تكون بمثابة «صانع ملوك»، و«بيضة القبان» في ترجيح الميزان لصالح «التوازن الدولي» والحد من القرارات الفردية والمجحفة، فاليوم هناك سباق بين القوى العظمى على جذب الهند إلى جانبهم، وانحياز الهند لصالح أي طرف سوف يكون مكسباً استراتيجياً لهذا الطرف أو ذاك، وهذا الوضع يمنح «القوى المتوسطة» حصانة ضد الضغوط المباشرة التي كانت تأتي من القوى العظمى.

8- عسكرة الدولار

عانت دول كثيرة في العالم من «عسكرة الدولار»، والعقوبات الاقتصادية غير العادلة التي يدفع دائماً ثمنها الشعوب وليس الحكومات، ونظراً إلى أن «الدول المتوسطة» تملك صناديق استثمار عملاقة فإنها قادرة على فرض معايير جديدة في التمويل والاستثمار الأخضر وتقليل الاعتماد على الدولار الأمريكي، بل ويمكنها تأسيس وبناء «أنظمة دفع بديلة» تحميها من العقوبات الأحادية التي تفرضها القوى العظمى.

تحديات

ليس من السهولة أن تحقق «الدول المتوسطة» كل هذه الغايات، وخلع نظام عالمي متجذر منذ 8 عقود، وسوف تواجه في سبيل ذلك سلسلة من التحديات أبرزها سعي القوى العظمى لجذب «القوى المتوسطة» إلى جانبها، والخلافات الحدودية والسياسية بين «الدول المتوسطة» نفسها، ناهيك عن الهشاشة الأمنية والمشاكل الداخلية التي تعانيها بعض الدول المتوسطة، فعلى سبيل المثال دولة مثل كندا عليها دائماً أن تواجه الرغبات الانفصالية لدى بعض المقاطعات مثل مقاطعتي ألبرتا وكيبك.

المؤكد أن هناك آمالاً كبيرة بأن تساهم «القوى المتوسطة» في رسم مستقبل النظام العالمي حتى يتم إدارة السياسة الدولية وفق توافقات واسعة تشمل الجميع ولا تقتصر فقط على القوى العظمى.

[email protected]