غالباً ما تُستحضر الحرب الباردة كصراع طويل بين موسكو وواشنطن ارتبط بسباقات التسلّح النووي، والأزمات الدولية، والتحالفات العسكرية . وقد ترسّخت صورتها كمواجهة أيديولوجية بين معسكرين يتنازعان تعريف النظام الدولي وحدوده، إلا أن هذا الإطار الثنائي يختزل المشهد يغفل مساحات واسعة من العالم عاشت آثار ذلك الصراع بصورة مباشرة وعميقة، حيث تشكّلت في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية حروب بالوكالة، وانقلابات سياسية، وشبكات نفوذ استخباراتي تركت بصماتها في بنية الدول والمجتمعات.
يأتي كتاب «الحرب الباردة على خمـــس قارات: تاريخ عالمي للإمبراطورية والتجسس» للمؤرخ الأمريكــــــي ألفريـــــد و. ماكوي، الصادر في ينايـــــر 2026 عــــن دار «هاي ماركت بوكس»، في 608 صفحات، ليقدّم قراءة شاملة للحرب الباردة من منظور عالمي. ينقل العمل مركز الاهتمام من العواصم الكبرى إلى إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، حيث تشكّلت حروب بالوكالة، وتبدّلت أنظمة سياسية، ونُفذت عمليات سرّية تركت آثاراً طويلة الأمد.
توجيه مسارات الصراع في الدول
يعتمد ماكوي مقاربة تنطلق من تجارب المجتمعات التي وُضعت في قلـــــب التنافس الدولي. يبيّن الكتاب كيـــــف تحــــوّلت دول عديدة إلى ساحـــــات مواجهــــة غيـــــر مباشـــــرة، وكيـف أسهمت التدخّلات السياسيـــــة والعسكريــــة فـــــي إعادة تشكيل البنى الاجتماعية والاقتصادية. هذا المسار ترك بصماته في الذاكــــرة الجماعية وفي استقرار الدول، مع استمرار انعكاساته في العقود اللاحقة.
يحضر عنصر الإمبراطورية والعمل الاستخباراتي في صلب التحليل. يتتبّع المؤلف شبكات العمليات السرّية والدعم اللوجستي والتمويل السياسي التي أسهمت في توجيه مسارات الصراع داخل دول بعيدة عن مراكز القرار. ويتداخل فـــي السرد المستـــوى الدولـــي مع قصـــص أفراد عاشوا تلك المرحلة، من عناصر ميدانية إلى ناشطين مناهضين للحرب، ما يضفي بعداً إنسانياً يقرّب التاريخ من التجربة اليومية.
يربط الكتاب بين الماضي وتحولات الحاضر، واضعاً النزاعات التي اندلعت في النصف الثاني من القرن العشرين ضمن سياق ممتد يؤثر في أنماط عدم الاستقرار الراهنة، سواء في هشاشة المؤسسات أو استمرار التوترات الداخلية. كما يتناول عودة مفردات «حرب باردة جديدة» إلى الخطاب السياسي الدولي، ويستعرض كلفة سباقات النفوذ في ظل أزمات عالمية متزامنة، ومنها التغير المناخي وتحديات الموارد.
الحرب الباردة فصل من صراع طويل
يقوم العمل على بحث أرشيفي موسّع وتحليل سياسي دقيق، مع انتقال بين الرؤية الكلية والتجارب المحلية. يمنح هذا الجمع بين الرؤية الواسعة والسرد التفصيلي الكتاب اتساعاً زمنياً وجغرافياً، ويضعه ضمن المراجع الأساسية لدراسة تاريخ الحرب الباردة في سياق عالمي متعدد المراكز.
يشير ألفريد و. ماكوي في تمهيده إلى أن هذا العمل تبلور عبر خمسة عقود من الخبرة البحثية والتجربة الميدانية. ففي ذروة الحرب الباردة، ترك مقاعد الدراسة في جامعة ييل ليجوب العالم باحثاً في عمليات وكالة الاستخبارات المركزية، ومُجرياً مقابلات مع فاعلين سريين شكّلوا جزءاً من تلك المرحلة. هذه اللقاءات، التي تحولت لاحقاً إلى مادة لكتابه «سياسة الهيروين»، عادت إليه بعد سنوات طويلة لتصبح أساساً فكرياً لهذا المشروع.
ويستعيد المؤلف في التمهيد صورة «الرجال في الميدان»، أولئك الفاعلين الذين تحركوا في أطراف الإمبراطوريات وتركوا أثراً يتجاوز أدوارهم المباشرة. ومن خلال تتبع مساراتهم عبر قرنين تقريباً، يخلص إلى أن الحرب الباردة تمثل امتداداً لنمط تاريخي أعمق من التنافس الإمبراطوري، ما يمنح السرد بعداً تحليلياً ويعيد الاعتبار لدور الأفراد في صناعة التحولات الكبرى.
كما يطرح ماكوي رؤية تعتبر الحرب الباردة فصلاً من صراع طويل بين إمبراطوريات سعت إلى تشكيل نظام عالمي جديد، ومن خلال النظر إلى الأحداث من مدن مثل مانيلا أو لواندا تتبدل زاوية الفهم ويظهر تاريخ الحرب الباردة في صورة عالمية متعددة المراكز.
ظلال الحرب الباردة
ينقسم الكتاب إلى أربعة أقسام رئيسة ترسم مسار الصراع عبر الجغرافيا العالمية، ويبدأ بفصل تمهيدي بعنوان «الظل الطويل للحرب الباردة» يضع الإطار النظري للفترة الممتدة منذ عام 1946 حتى مطلع التسعينات، رابطاً بين التنافس الأيديولوجي وتحولات الإمبراطوريات الأوروبية وصعود الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي قوتين مهيمنتين في النظام الدولي.
يتناول القسم الأول «الصراع على أوروبا وإمبراطورياتها الاستعمارية» المرحلة التأسيسية للنظام العالمي الجديد، من المواجهة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي إلى حرب كوريا، ثم جنوب شرق آسيا ونهاية النفوذ الإمبراطوري في الشرق الأوسط، وصولاً إلى انتقال أصداء الصراع إلى إفريقيا، موضحاً ارتباط تفكك الإمبراطوريات الأوروبية بإعادة توزيع النفوذ العالمي.
يقدّم هذا القسم قراءة لولادة النظام الدولي بعد عام 1945، حيث تتقاطع إعادة إعمار أوروبا مع إعادة رسم خرائط النفوذ الاستعماري. فالتنافس بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي لم يقتصر على القارة الأوروبية، بل ارتبط مباشرة بمصير الإمبراطوريات التي كانت تدير مستعمرات واسعة في آسيا وإفريقيا والشرق الأوسط، و تحولت مناطق بعيدة عن أوروبا إلى ساحات استنزاف طويلة الأمد ارتبطت بحسابات دولية معقدة.
ومن خلال تتبع حرب كوريا وصراعات جنوب شرق آسيا، ثم تحولات الشرق الأوسط وإفريقيا، يكشف المؤلف كيف امتزجت حركات التحرر الوطني بحسابات الحرب الباردة، وارتبطت نهاية النفوذ الأوروبي التقليدي بصعود أشكال جديدة من الهيمنة غير المباشرة اعتمدت على التحالفات العسكرية والدعم الاقتصادي والعمل الاستخباراتي.
في القسم الثاني «فيتنام واحدة، اثنتان، فيتنامات كثيرة»، يركّز الكتاب على الحرب الفيتنامية كنموذج للحروب بالوكالة، ثم يتوسع نحو إندونيسيا وتشيلي، حيث لعبت التدخلات الاستخباراتية دوراً مؤثراً في إعادة تشكيل المشهد السياسي.
أما القسم الثالث «الحروب بالوكالة في العالم الثالث» فيرصد انتقال المواجهة إلى إفريقيا الجنوبية وأمريكا الوسطى وأفغانستان، موضحاً كيف تحولت مناطق بعيدة عن أوروبا إلى ساحات استنزاف طويلة الأمد ارتبطت بحسابات دولية معقدة، وتأثير ذلك في بنية الدول والمجتمعات.
ويختتم القسم الرابع «نهاية الحرب الباردة» بسرد لانهيار الاتحاد السوفييتي وتحولات النظام الدولي، ثم ينتقل إلى فصل «نحو حرب باردة جديدة»، حيث يناقش التحولات الراهنة في ميزان القوى العالمي.
يمثّل الكتاب مساهمة بارزة في إعادة قراءة القرن العشرين من زاوية تتجاوز السرد التقليدي، ويوسّع دائرة الاهتمام لتشمل المجتمعات التي شكّلت مسرحاً للصراع، رابطاً بين الإمبراطورية والاستخبارات والتحولات الاجتماعية في إطار تحليلي متكامل.