عادي
افتتاحية «لا دبلومات ميديا» تستشرف مقاربة الدولة وشمولية رؤيتها لاستقرار المنطقة

موقف الإمارات من الاعتداءات الإيرانية واقعي وشفاف.. والأكثر تقدماً

01:17 صباحا
قراءة 6 دقائق

رحّبت دولة الإمارات العربية المتحدة بإعلان وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين بين الولايات المتحدة وإيران، لكن دون الانجرار وراء الأوهام الدبلوماسية، فهي لا تنكر ضرورة خفض التصعيد، بل تُشكّك مُسبقاً في غموضه.

فمن خلال مطالبتها بتوضيحات دقيقة لبنود الاتفاق، ووقف كامل للأعمال العدائية الإيرانية، وإعادة فتح مضيق هرمز بالكامل ودون شروط، تُذكّر الإمارات جميع الأطراف بحقيقة بسيطة وهي أنه في الخليج، لا قيمة للهدنة إلا بقدر القيود التي تفرضها فعلياً على طهران. هذا الموقف ليس مجرد حذر شكلي أو رد فعل تحالفي، بل هو انعكاس لعقيدة أمنية: لا استقرار إقليمي دون ضوابط تنفيذية، ولا مصداقية دون كبح، ولا سلام في مجال الطاقة دون حرية الملاحة.

الحيلة التجميلية مرفوضة

الدرس الأول من رد الفعل الإماراتي هو ألا يكون وقف إطلاق نار شكلياً. ففي بيان صادر عن وزارة الخارجية، معزز بتصريحات رسمية، أوضحت الإمارات أنها تراقب من كثب إعلان دونالد ترامب، مؤكدةً في الوقت نفسه حاجتها إلى مزيد من التوضيح لضمان التزام إيران الكامل والقاطع بالوقف الفوري لجميع الأنشطة العدائية وإعادة فتح مضيق هرمز بالكامل. هذه الصياغة بالغة الأهمية، إذ تعني، من وجهة النظر الإماراتية، أن هذه الخطوة ليست إنجازاً دبلوماسياً، بل مجرد فرضية حول استراتيجية قابلة للتحقق.

بمعنى آخر، لا ترفض الإمارات العربية المتحدة الاتفاق، بل ترفض منحه قيمة سياسية قبل أن ترى آثاره العسكرية والبحرية والأمنية تتجسد على أرض الواقع. هذا هو الفرق الجوهري بين التفسير الغربي الذي قد يميل إلى الرضا الفوري الناتج عن خفض التصعيد، والتفسير الخليجي القائم على التجربة الملموسة للمخاطر. بالنسبة إلى الإمارات، لا يهم الإعلان بحد ذاته، بل الانضباط الذي يفرضه على طهران.

هرمز.. المركز الحقيقي لثقل الأزمة

إن جوهر الموقف الإماراتي ليس رمزياً ولا دبلوماسياً، بل جيواقتصادي. ويكمن الاختبار الحقيقي لوقف إطلاق النار في مضيق هرمز، حيث تُقاس مصداقية إيران، إذ سعت طهران من خلاله إلى تحويل الأزمة العسكرية إلى نفوذ استراتيجي على التجارة العالمية. ولا تزال التقارير تُفيد بأنه على الرغم من الحيلة المعلنة، فإن حركة الملاحة عبر المضيق لا تزال أقل بكثير من المعتاد، حيث لم تعبر سوى 15 سفينة منذ وقف إطلاق النار، مقارنةً بمتوسط سابق بلغ 138 سفينة. وهذا يعني أن التهدئة السياسية، في هذه المرحلة، لم تُفضِ بعد إلى تطبيع حقيقي للأوضاع البحرية.

لهذا السبب تُولي الإمارات إعادة فتح المضيق «بشكل كامل وغير مشروط» هذا القدر من الأهمية. ففي المنطق الإماراتي، لا يمكن تحقيق استقرار إقليمي إذا احتفظت إيران، ولو جزئياً، بقدرتها على تحديد أسعار أو تصفية أو إبطاء حركة البضائع عبر ممر الطاقة الرئيسي في العالم. والرسالة الضمنية واضحة: أي حيلة تُبقي طهران «فيتو» على انسيابية حركة الملاحة البحرية لن تُخفف حدة الأزمة، بل ستُرسّخ شكلاً من أشكال الابتزاز البحري.

المساءلة والتعويض والردع

لم يقتصر بيان الإمارات على المطالبة بوقف الهجمات، بل إنه حدد إطارها السياسي والقانوني. فقد دانت وزارة الخارجية الهجمات الإيرانية التي شُنّت على مدى الأربعين يوماً الماضية على البنية التحتية ومنشآت الطاقة والمواقع المدنية، مشيرةً إلى إطلاق 2819 صاروخاً باليستياً وصاروخ كروز وطائرات مسيّرة، فضلاً عن خسائر بشرية ومادية. مثل هذه الأعمال من وجهة نظر الإمارات، يجب أن تُفضي إلى اتخاذ إجراءات حازمة، وإثبات مسؤولية إيران، وتعويض كامل عن الأضرار. لم يعد هذا مجرد خطاب احتجاج دبلوماسي، بل هو محاولة لفرض ثمن استراتيجي على العدوان.

لا شك أن هذا البُعد مهم بل جوهري، حيث تسعى الإمارات جاهدةً لمنع وقف إطلاق النار المبهم من طمس التسلسل السياسي السابق. بعبارة أخرى، ترفض السماح لخفض التصعيد بأن يكون بمثابة عفو استراتيجي لطهران. إنه موقف واقعي صريح: فالسلام لا معنى له إن طمس ذكرى توازن القوى أو ضرورة الإصلاح.

رفض فخ «الطاقة النووية فقط»

يتمثل العنصر الرئيسي الآخر في الموقف الإماراتي في رفضه لأي نهج جزئي تجاه الملف الإيراني. ويؤكد البيان ضرورة اتباع نهج شامل لا يقتصر على القدرات النووية فحسب، بل يشمل أيضاً الصواريخ الباليستية، والطائرات المسيّرة، والترسانات العسكرية، والجماعات المتحالفة أو الشبكات المسلحة المرتبطة بإيران في المنطقة. وتُعد هذه النقطة حاسمة، لأنها تعكس عدم ثقة الإمارات العميقة في أي مفاوضات من شأنها عزل القضية النووية عن منظومة التهديدات الإيرانية الأوسع.

من منظور عواصم الخليج، لا تقتصر المشكلة الإيرانية على عتبة نووية فحسب، بل تتعداها إلى بنية إكراه أوسع نطاقاً. إن اختزال الأزمة إلى مستويات التخصيب أو بعض المعايير التقنية يعني تجاهل ما يزعزع استقرار المنطقة فعلياً: مزيج من القدرات التقليدية، والتنفيذ غير المباشر عبر الوكلاء، والإكراه البحري، والضغط على البنية التحتية للطاقة، لذا فإن الموقف الإماراتي أقل تشدداً مما قد يبدو، وهو متسق تماماً مع الطبيعة متعددة الأبعاد لهذا التهديد.

الإمارات لا تسعى للحرب.. ترفض الحياد العاجز

حرصت الإمارات على التأكيد على أنها لم تكن طرفاً في النزاع، وأبرزت جهودها الدبلوماسية، على الصعيدين الثنائي وضمن مجلس التعاون الخليجي، لمنع تفاقم الأزمة. وهذه النقطة ليست عابرة، بل تهدف إلى وضع دولة الإمارات العربية المتحدة في موقف بالغ الأهمية: فهي دولة قادرة على إعلاء الشرعية الدبلوماسية لعدم سعيها إلى التصعيد، وهي أيضاً دولة معنية بشكل مباشر لأنها تتحمل التداعيات الأمنية والاقتصادية لعدم الاستقرار الإقليمي.

يجب فهم دقة الموقف الإماراتي هنا بوضوح. فالإمارات لا ترغب في الانجرار إلى صراع مفتوح، لكنها في الوقت نفسه لا ترغب في تبني الحياد السلبي الذي يترك للآخرين تحديد معايير الأمن الإقليمي. ويمكن تلخيص موقفها الحالي ببساطة: عدم التدخل، نعم، أما التلاشي الاستراتيجي، فلا.

القرار 2817: تدويل الضغط على طهران

من خلال دعوة الإمارات إيرانَ إلى الامتثال لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2817، الصادر في 11 مارس 2026، فإنها لا تكتفي بالاستناد إلى نصٍّ أممي، بل تسعى إلى إخراج الأزمة من إطار واشنطن-طهران الحصري ووضعها ضمن إطار أوسع من الشرعية الدولية. يطالب نص مجلس الأمن بالوقف الفوري للهجمات الإيرانية على عدد من دول المنطقة، ويدين هذه الأعمال بأشد العبارات. بالنسبة إلى الإمارات، يُمثّل هذا القرار أداةً لإضفاء الشرعية الدبلوماسية، إذ يسمح بتقديم مطالبها لا كتعبير عن تحالف سياسي، بل كتطبيق لمعيار دولي راسخ.

هذه خطوة كلاسيكية لكنها فعّالة. فمن خلال الاعتماد على الأمم المتحدة، تسعى الإمارات إلى تحويل مخاوفها الأمنية إلى موقف قانوني راسخ. وهذا يعزز هامش مناورتها الدبلوماسية ويعقد محاولة إيران تصوير القضية على أنها مواجهة سياسية بحتة مع الولايات المتحدة.

الرسالة الحقيقية إلى واشنطن

من الواضح أن الإعلان الإماراتي موجّه إلى طهران، ولكنه يستهدف واشنطن أيضاً. وبعبارة أخرى، تُبلغ الإمارات إدارة ترامب بأن وقف إطلاق النار الذي يُفيد دول الخليج لا يمكن أن يكون ترتيباً مؤقتاً تُعلّق بموجبه إيران بعض عملياتها مع احتفاظها بمعظم نفوذها، لذا تُطالب الإمارات بتحديد هذا الاتفاق بوضوح، ووضع إطار صريح له، والأهم من ذلك، دعمه بضمانات ملموسة.

هذا الحذر مفهومٌ أكثر من أي وقت مضى، لا سيما بعد أن سلّطت تقارير صحفية عديدة الضوء على هشاشة الاتفاق. وأشارت رويترز إلى أن البيت الأبيض ألغى خطاباً متلفزاً كان مخصصاً للهدنة، وذلك تحديداً بسبب غموض بنودها وهشاشة آلية الاتفاق، قبل المحادثات المقررة في إسلام آباد. بعبارة أخرى، هناك خشية من أن تعليق الضربات الجوية، الذي لا يحظى بضمانات كافية، قد يمنح إيران وقتاً لإعادة تنظيم صفوفها سياسياً وعسكرياً دون تقديم أي تنازلات جوهرية.

بين ميزان القوى والتفاؤل الدبلوماسي

ما يكشفه هذا التسلسل قبل كل شيء هو التطور العقائدي لدولة الإمارات العربية المتحدة، إذ لم تعد تؤمن بالحيل التي تُنفذ ذاتياً أو بالتهدئة الذاتية. ولا تزال قراءتها للقضية الإيرانية قائمة على فكرة بسيطة: في الخليج، لا يتحقق الاستقرار أبداً بمجرد افتراض حسن النية، بل هو نتاج توازن واضح للقوى، وخطوط حمراء صريحة، وآليات تحقق موثوقة.

ووراء النبرة الرسمية، تكمن رسالة شديدة اللهجة. ترحّب الإمارات العربية المتحدة بوقف إطلاق النار، لكنها ترفض تحويله إلى نصر دبلوماسي قبل الأوان. إنها لا تسأل إيران عن نواياها، بل تطلب منها أفعالاً. لا تريد وعوداً بخفض التصعيد، بل تريد إنهاءً فعلياً للعدوان، وحرية ملاحة حقيقية، والتخلي عن استراتيجية إقليمية قائمة على الإكراه غير المباشر. في الجوهر، هذا موقف قوة متوسطة واعية: تدعم السلام دون أن تتخلى عنه تحليلياً.

أمر قيد التدقيق وليس سلاماً مضموناً

لذا، يجب قراءة رد فعل الإمارات على حقيقته: فهو ليس مجرد تعبير عن دعم ظرفي لمبادرة أمريكية، بل هو تأطير سياسي لوقف إطلاق النار نفسه. تقبل الإمارات العربية المتحدة بالهدنة، لكنها في الوقت نفسه تضع شروط مصداقيتها. هنا لا يكمن السؤال في ما إذا كانت صوت المدافع سيتوقف مؤقتاً، بل في ما إذا كانت إيران تتخلى فعلاً عن استخدام الخليج ومضيق هرمز وشبكاتها الإقليمية كأدوات ضغط استراتيجي دائم. وإلى أن تحصل على جواب واضح، ستبقى الحيلة على حالها: هدنة مشروطة، وليس استعادة للنظام الإقليمي.

لا استقرار للمنطقة دون ضوابط تنفيـذيـة ولا مصداقيـة دون كبـح

المطلوب:

* التزام إيران الكامل بوقف الأنشطة العدائية وفتح مضيق هرمز

* أي حيلة تمنح طهران «فيتو»على انسيابية الملاحة مرفوضة

* تعويض كامل عن الأضرار جراء الاعتداءات الصاروخية والمسيرة

* رفض عزل القضية النووية عن منظومة التهديدات الإيرانية الأوسع

* «الحياد السلبي» يترك للآخرين تحديد معايير الأمن الإقليمي

* استقرار الخليج لا يتحقق أبداً بمجرد افتراض حسن النية

المصدر: لادبلومات ميديا

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"