عادي
انقلاب حضاري عميق نعيشه منذ عام 1940

الرقمنــة.. الـوعــي البشــري فــي قبـضــة الآلات

00:33 صباحا
قراءة 4 دقائق
1

القاهرة: «الخليج»


«منذ ظهور الحواسب الأولى في عام 1940، انخرطت حضارتنا في انقلاب عميق ندرك الآن أنه لم يكن تكنولوجياً فقط»، بهذه العبارة، يبدأ الفيلسوف الفرنسي المعاصر ستيفان فيال كتابه «الكينونة والشاشة، كيف يغير الرقمي الإدراك؟»، بترجمة الباحث المغربي إدريس كثير.
تلك البداية، تشير إلى ما هو أبعد من التغير التكنولوجي الحاصل في حياة الإنسان، منذ اكتشاف الحواسب والإنترنت، فهناك ما هو أعمق مما أحدثه التغير الظاهر، أي ذلك التغير المرتبط بالكينونة، وما لهذه الكينونة المتغيرة من حيثيات تعيد تعريف الإنسان، ولهذا يبحث المؤلف في أعماق التقنية من مدخل فلسفي، لبحث هذا التغير وأشكاله.

يوضح المؤلف أن كتابه «بحث فلسفي، يرمي إلى التجديد المفهومي في مجال تحليل التقنية عموماً، والتكنولوجيات الرقمية على وجه الخصوص» مشيراً إلى أن هدفه «تفكيك مفهوم الافتراضي فرغم أصله الفلسفي، لا يستطيع هذا المفهوم الأخير أن يكون ملائماً لإدراك طبيعة الظاهرة الرقمية بصورة فلسفية».


ظاهرة


يتأمل الكتاب في التقنية والإدراك، حيث «يدرس فيه الرقمي كظاهرة، أي ما يظهر ويقدم نفسه للذات من خلال واجهات الحاسوب وبفضلها»، وذلك من خلال ستة فصول، وينطلق بتعريف النسق التقني باعتباره «بنية اجتماعية أساسية مشاركة في ما يكون هوية حقبة ما»، فالمؤلف يؤكد أن التقنية لم تعد شبح العصر، بل أضحت «قادرة على إنتاج قيم كفيلة بتثقيف الإنسان والمجتمع».
يرى أن قدرة التقنية على تشكيل نسق، مسألة بنيوية، فهي مؤسسة على تقنيات عدة، أي أنها شبكة من التداخلات والعلاقات المشتركة والمتبادلة، التي يؤثر الواحد منها في الآخر، ليسهم بالتالي في تغيير إدراك الإنسان نحو ما هو واقع اليوم.


تاريخ


لهذا يتوسع في النسق التقني الرقمي، ليبين أن فهم الحركة العامة لتاريخ التقنيات، ضرورة لفهم الثورة الرقمية، التي يعدها آخر ثورة في الثورات التقنية «بعد الثورة ما قبل الآلية في القرن الخامس عشر أو الثورة الآلية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر» ويرى أن الثورة التقنية هي ذروة القمة.
يستمر المؤلف في استعراض تاريخ الأنساق التقنية واستخدام الآلة في العالم، مؤكداً أن «تاريخ الغرب التقني هو تاريخ استخدام الآلة» بدءاً بعصر النهضة، مع استخدام الآلات الخشبة المحركة بواسطة قوة الماء، مروراً بما يسميه الانفجار خلال الثورة الصناعية مع الآلات المعدنية البخارية، ومن ثم الآلات الكهربائية، وصولاً للآلات الرقمية الشبكية «التي تشد عصب مجموع مجالات حياتنا، في شكل محطات نهائية معلوماتية ترافقنا في كل مكان وتعمل بواسطة معالجات خوارزمية».
يلــفت إلـــى أن استخدام الإنسان لهذه التقنيات، بدءاً بالبسيــطـــة حتى المعــقدة، يسرع الزمن التقني، فكل زمن من أزمنة استخدام الآلة، يسرع للوصول إلــى الزمن اللاحق، من خلال تتابع الابتكارات، وتكاثرها، مؤكداً «أننا دخلنا منذ بضعة قرون في زمنية تقنية ذات تطور سريع».
هـذا التـــسارع، مــقرون بالانتـــشــار الـــذي جــعــل مــــن الــتـــقــنــيـــة حقيقة واقـــعــة فــي حياة الإنسان، وهـذا ما يجعل الوجود يتحول إلـــى نسق، مشيراً إلى أن وجود التقنية في كل مكان، «يعني أنها تكون نسقاً» وإذا ما نظرنا إلى التقنية الحالية، فإن أبرز تجلياتها، هي المعلوماتية.
وإذا ما نظرنا من حولنا، فإن الثورة التي أحدثتها هذه التقنية، لا تقتصر على تغيير الأنساق الاقتصادية، على الرغم من الجذرية التي أحدثتها في الاقتصاد «لم تعد اليوم أول رسملة في البورصة العالمية تنتمي إلى شركة (إيكسون موبيل) البترولية، أو إلى (جنرال إلكتريك) الإمبراطورية التي أسسها إديسون، بل إلى شركة (أبل) التي احتلت هذا المكان، لأول مرة، في بورصة وول ستريت».


تغيير


تتصدر إلى جانب (أبل) شركة (أمازون) وهي إمبراطورية رقمية، كما أثر ذلك في النسق الإنتاجي، وغير من معايير الصناعة والإنتاج والتسويق بشكل جذري، وامتد هذا التغيير لكل مناحي الحياة: القانونية، والفكــــرية، والثـــقـــافية، والتــرفــيــهية، والاجتماعية، والسياسية، والعلمية، وصولاً إلى الاختراع وإعادة الاختراع.
هذا بالطبع لا يعود لوجود الحاسوب في كل مكان، لكن «لأنه اتصل بكل الأماكن الأخرى منذ عام 1990» صار الحاسوب في كل مكان، وفي أي مكان وجد يحمل كل شيء، أي مع وجود الشبكة الإلكترونية، التي معها «نخرج من عصر المعلوماتية المحض كي ندخل عصر الرقميات الحقة».
يرى ستيفان فيال أن أهمية الثورة الرقمية ليست في مظاهرها، وفي ما يرى منها، بقدر ما هي في قدرة منظومتها على توجيه إدراكنا للأشياء وللظواهر، وعلى توجيه فكرنا وعلاقاتنا، إنها ليست حدثاً تقنياً فحسب، بل هي كذلك حدث فلسفي كبير، يعيد تشكيل أبنيتنا الذهنية والإدراكية، ويعيد بناء معنى الواقع.
هذا ما يحدث منذ نحو نصف قرن، حيث وفرت التقنيات الرقمية للإنسان إمكانات واسعة لإدراك عوالم مجهولة.
يطرح المؤلف في كتابه أسئلة كبيرة: ما هذا الزمن الرقمي؟ ما كينونة الكائنات الرقمية؟ ماذا وراء «الافتراضي»؟ وقد تطلب سؤال الكينونة المعقد تحليلاً فلسفياً، سعى فيه المؤلف إلى الدقة والوضوح معاً.


بـنــيــة الإدراك


يطرح ستيفان فيال سؤالاً فلسفياً محدداً، يتعلق بطبيعة التحول الرقمي وأثره في بنية الإدراك الإنساني، منطلقاً من فرضية أن الرقمنة لا تقتصر على تحديث الوسائل التقنية، أو تسريع تداول المعلومات، بل تمس المستوى الذي تظهر عنده الأشياء في وعينا التقنية الرقمية، في نظرة تعيد تشكيل شروط ظهور العالم للذات، أي أنها تغير نمط التجربة ذاته.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"