أفادت تقارير إحصائية بأن شركات الاستشارات الخاصة بإدارة الثروات حققت أكثر من ملياري دولار من الرسوم الناتجة عن توزيع صناديق رأس المال الخاص خلال السنوات الثلاث الماضية، في ظل موجة تهافت على ميادين استثمار ذات عائدات أعلى، تلك الموجة التي قادتها 16 شركة من أبرز شركات إدارة الأصول عالمياً.
قال محللون إن هذا المبلغ الضخم يكشف عن تحول أعمق في الاقتصاد السياسي للرأسمالية العالمية، تحول تنتقل فيه عملية تكوين رأس المال بعيداً عن الأسواق العامة، بينما تكافح هيئات تنظيم الأسواق والجهات الرقابية للحاق بالواقع الجديد، وتزداد فيه قوة المال تركّزاً داخل قنوات خاصة أقل شفافية.
والمسألة لا تتعلق بعوائد المستثمرين فحسب، بل بمستقبل بنية الرأسمالية الحديثة نفسها حيث تتحول من رأسمالية عامة إلى رأسمالية خاصة.
طوال معظم القرن العشرين، كان النموذج السائد للرأسمالية نموذجاً عاماً. كانت الشركات تجمع الأموال عبر أسواق الأسهم، ويعتمد المستثمرون على تسعير شفاف، بينما تفرض الجهات التنظيمية معايير إفصاح تهدف إلى حماية المصلحة العامة. لكن هذا النموذج يجري استبداله بهدوء.
فقد بنت صناديق الأسهم الخاصة والائتمان الخاص والبنية التحتية والعقارات الخاصة بقيادة 16 شركة بارزة مثل «بلاكستون» و«كيه كيه آر» و«بلو أول» و«أبوللو كابيتال مانجمنت»، منظومات مالية ضخمة تعمل إلى حد كبير خارج الأسواق العامة تخطت رسوم خدماتها ملياري دولار خلال 3 سنوات. وأصبح مديرو الثروات بمنزلة آلة التوزيع لهذا النظام الجديد.لذلك فإن الملياري دولار من الرسوم ليست مجرد إيرادات. إنها دليل على تحول هيكلي من الرأسمالية العامة إلى الرأسمالية الخاصة.
معضلة الحوافز
يجذب رأس المال الخاص المستثمرين لأنه يعد بعوائد أعلى وتنويع أفضل. لكن هيكل الرسوم في هذه الاستثمارات يسبب مشكلة حوافز قوية.فمستشارو الثروات يحققون إيرادات عادة من رسوم الترويج والتوزيع، ورسوم الخدمة والمتابعة، وحصة من رسوم الإدارة، ومكافآت مرتبطة بالأداء.
والسؤال في الاقتصاد السياسي هنا بسيط: من المستفيد من توسع رأس المال الخاص - المستثمرون أم الوسطاء أم النظام المالي نفسه؟حتى الآن، يبدو أن الوسطاء يلتقطون حصة متزايدة من سلسلة القيمة.
«الديمقراطية المالية»
غالباً ما يقدم القطاع توسع الأسواق الخاصة باعتباره نوعاً من «دمقرطة الاستثمار». فالأفراد ذوو الثروات العالية - بل وحتى فئات أوسع - أصبحوا قادرين على الوصول إلى أصول كانت حكراً على صناديق التقاعد والصناديق السيادية.
وهناك قدر من الحقيقة في هذه الرواية، لكن الديمقراطية من دون شفافية قد تؤدي إلى نتيجة معاكسة. فالاستثمارات الخاصة تتسم عادة بسيولة محدودة وهياكل رسوم معقدة وضعف في اكتشاف الأسعار وآجال استثمار طويلة.
هذه الخصائص تنقل المخاطر من المؤسسات - التي تمتلك أدوات احترافية لإدارة المخاطر - إلى الأفراد، الذين قد لا يدركون طبيعة المفاضلات.ومن منظور الاقتصاد السياسي، هذا يعني إعادة توزيع المخاطر المالية من المجال العام إلى الأسرة الفردية.
لاعب غير مباشر
تلعب الحكومات دوراً خفياً في ازدهار رأس المال الخاص. فهي تعتمد على الأسواق الخاصة لتمويل مشاريع البنية التحتية والتحول في قطاع الطاقة وتطوير العقارات وإعادة هيكلة الشركات.
وفي كثير من الاقتصادات المتقدمة، دفعت القيود المالية الحكومات إلى الاعتماد على رأس المال الخاص لسد فجوات الاستثمار. وهذا يخلق نوعاً من الاعتماد المتبادل.
فالدولة تصبح في الوقت نفسه جهة تنظيمية ومستفيدة من النظام ذاته - وهو دور مزدوج يعقّد الرقابة ويضعف أحياناً الحزم التنظيمي.
قوة السوق وصعود التكتلات المالية
من السمات البارزة لعصر رأس المال الخاص أيضاً تزايد التركّزات المالية حيث يسيطر عدد صغير من الشركات على كميات هائلة من الأموال. وتدير أكبر شركات الأصول البديلة مجتمعة تريليونات الدولارات - وهو حجم يوازي أنظمة مصرفية وطنية.
وهذا التركّز له ثلاث نتائج رئيسية في الاقتصاد السياسي هي قوة تسعيرية تمنح الشركات الكبرى إمكانية فرض هياكل رسوم مع ضغط تنافسي محدود. وهناك النفوذ السياسي والتنظيمي حيث تكتسب عمالقة الشركات المالية قدرة أكبر على التأثير في التشريعات والسياسات.