نظَّمت ندوة الثقافة والعلوم في دبي أمسية نقاشية للعمل السردي «دوائر النمل» للكاتب علي عبيد الهاملي بحضور محمد أحمد المر رئيس مجلس أمناء مكتبة محمد بن راشد وبلال البدور رئيس مجلس إدارة الندوة.
شارك في النقاش د. مريم الهاشمي أستاذ النقد في كليات التقنية، وأدارها الكاتب د. شاكر نوري الذي أكد أن الروايات والقصص العربية بلسان الحيوان تُعد نوعاً أدبياً عريقاً يهدف إلى النقد الاجتماعي والسياسي بأسلوب رمزي، حيث يسقط الكاتب صفات البشر على الحيوانات، وتعتبر «كليلة ودمنة» لابن المقفع أبرز نموذج تراثي، بينما امتد هذا الفن في الأدب الحديث والمعاصر.
وأضاف نوري: هناك أيضاً مناظرات الحيوان والنبات، وحكايات شعبية تشيع فيها قصص الثعلب «أبو الحصين» مع الأسد، والذئب مع النعجة، والتي تستخدم لإسقاطات اجتماعية، وأكد أن أهم خصائص هذا الأدب هي الرمزية باستخدام الحيوان لتمثيل شخصيات إنسانية.
وتساءل نوري عن أنسنة النملة في هذه الحكاية السردية وجعلها كائناً يستجيب إلى كل الانفعالات. ولماذا سمي العمل حكاية وليس رواية؟.
حلم
أشار علي عبيد الهاملي إلى أن حلم أي كاتب أن تصدر له رواية في هذا الزمن الذي يسميه البعض «زمن الرواية»، وقال: إنه وقع في حيرة هل يسميها رواية أو حكاية؟.
وكان اختيار «حكاية» لهذا الكتاب، لأن الحبكة بنيت على موقف ترتبت عليه مواقف أخرى، أو تداعيات ضمن العمل السردي، وركز على القول: إن الحكاية هي الجذر الأول للسرد، وأن الرواية هي الشجرة الأكثر تعقيداً ونضجاً.
وأضاف الهاملي: لو سألنا أغلب الكتاب العرب وغير العرب بماذا تأثروا؟ لكان رد أغلبهم حكايات ألف ليلة وليلة، والجميع متفق على أنها ليست رواية وإنما هي مجموعة حكايات أثرت في أكثر من نصف كتاب العالم، العرب والأجانب أيضاً، لذلك فضلت أن أسميها حكاية، وليس في هذا انتقاصاً من العمل، ولكنه توصيف لنوعه وتصنيف له.
وأكَّد الهاملي أن الحكاية شكل سردياً بسيطاً، غالباً ما يقوم على حدث واحد أو سلسلة أحداث متتابعة تروى بطريقة مباشرة، وهي لا تهتم كثيراً بالتفاصيل النفسية للشخصيات ولا بالبناء الفني المعقد، ومع ذلك في أجزاء من الكتاب أو الحكاية هناك اهتمام بالتفاصيل النفسية للنملة التي هي بطلة الحكاية، وقال: إن الحكاية تركز على الفعل نفسه، ماذا حدث وكيف انتهى؟ لذلك نجدها حاضرة بشكل كبير وبقوة في التراث الشعبي وقصص الجدات، وغالباً ما تحمل الحكاية مغزى أخلاقياً أو حكمة تروى بلغة سهلة قريبة من المتلقي، وضرب أمثلة من الحكايات منها: علاء الدين والمصباح السحري، علي بابا والأربعين حرامي، رحلات السندباد، كليلة ودمنة، حكايات جحا، بينوكيو وغيرها من الحكايات التي تشكلت منها ذائقتنا القرائية والأدبية ومرحلة مهمة في مسيرة الحياة.
وعن الرواية قال الهاملي: إنها عمل طويل نسبياً، يقوم على بناء عالم متكامل من شخصيات متعددة، وأحداث، وزمان ومكان، وتحاول الإجابة على سؤال عميق لماذا وكيف؟ وتابع أن الحكاية تروى، أما الرواية فهي تبنى.
ولفت الهاملي إلى أن فكرة الحكاية مأخوذة من قصة مترجمة عن البرتغالية عن نملة في عدد قليل من السطور لا يتجاوز الخمسة، وأن هذه الحكاية القصيرة هي التي أوحت له كتابة حكاية «دوائر النمل» بكل تفاصيلها وتداعياتها التي صاغها في أكثر من 300 صفحة، نشر بعضها في حلقات متسلسلة بدأت في شهر مارس عام 2009م، وقال: إن ما دفعه إلى إكمال الحكاية هو ما وجده من تجاوب لدى القراء، وتشجيع على مواصلة الكتابة عن النملة، حتى اكتمل العمل ونشر في كتاب حمل عنوان «دوائر النمل».
حلقة مفرغة
عقبت د. مريم الهاشمي بأن عنوان «دوائر النمل» يوحي بالدوران في حلقة مفرغة، وأكدت أن اعتبار النمل عنصراً رئيسياً في الحكاية له أكثر من حمولة وقد ذكره الكاتب عندما قال «ليعلم المشتغلون بعلم الحيوان أن صدر النملة ينتهي برأس كبير تحمل عينين كبيرتين وقرني استشعار دائمي الحركة.. » وهو ما يوحي بأن النمل مراقب دقيق لما حوله.
وأكَّدت أن هناك استلهاماً أو تناصاً تراثياً مع النص الديني كسورة النمل، وغيرها من الحيوانات التي ذكرت في القرآن، والالتفات للنمل بشكل خاص كشخصية في الحكاية لما للنمل من صفات مميزة، فهو لا يعيش وحيداً، وإنما في مستعمرات يبلغ عددها مئات الآلاف (ذكوراً وإناثاً)، ومعروف أن النملة تقع عليها الكثير من المهام كما أنها تعيش في مدن معقدة من الطرق التي يستحيل على غير النمل السير فيها.
وأضافت الهاشمي أن وسم العمل بأنه حكاية كان من الذكاء كي لا يُساءل مساءلة الرواية، بما فيها من إضمار وبعد عن التقريرية، كذلك اختيار صورة الغلاف توحي بالنملة المثقفة بلباسها الموحي بوضعها الاجتماعي، وهذا ما أكد عليه الإهداء في الكتاب.
وأشارت إلى أن خط الحكاية الذي جاء على لسان الحيوان والاستعارة من الذاكرة النصية العربية المرتبطة بحكايات وقصص الخرافة في العصر الجاهلي مروراً بالموروث العربي من أخبار وملاحم عنترة بن شداد وسيف بن ذي يزن إلى رسالة الغفران للمعري وغيرها.
ملامح
أكدت مريم الهاشمي أن الحكايات كلها تنتمي للواقع المعاش وللمجتمع الذي ينتمي إليه الكاتب بشكل صريح، وقد يحمل على مجتمعات أخرى تتشارك بعض الملامح، والكاتب يحفز القارئ للتساؤل ما السبيل للخروج من المأزق؟ لتأخذنا الحكاية وفي كل وقفة إلى أن هناك شيئاً من الأمل بمثابة الحكمة التي يقرها السارد العليم.