يرى مسؤولون وخبراء صناعيون أن مشروع الخط الذهبي لمترو دبي يمثل دفعة قوية للقطاع الصناعي في دولة الإمارات، مشيرين إلى أن المشروع سيرفع الطلب على منتجات المعادن ومواد البناء والتجهيزات الهندسية المرتبطة بالبنية التحتية للنقل. يشير الخبراء إلى أن مشاريع النقل الكبرى عادة ما تخلق دورة اقتصادية صناعية تمتد من الصناعات الأساسية مثل الصلب والأسمنت إلى الصناعات التقنية المرتبطة بأنظمة التشغيل والأتمتة.
وأكد المسؤولون أن تنفيذ المشروع سيعزز أيضاً الطلب على تقنيات الأتمتة الصناعية والمكونات الكهربائية وأنظمة التحكم الذكية المستخدمة في تشغيل شبكات النقل الحديثة، بما يشمل أنظمة الإشارات، والاتصالات، والتحكم المركزي في حركة القطارات.
كما يُتوقع أن ينعكس المشروع على نشاط قطاع الخدمات اللوجستية وسلاسل الإمداد الصناعية، مع زيادة حركة المواد الخام والمنتجات المصنعة بين المصانع ومواقع التنفيذ.
ويرجح الخبراء أن يؤدي المشروع إلى رفع معدلات التشغيل في المصانع المحلية، خاصة في قطاعات المعادن ومواد البناء والصناعات الهندسية، ما يعزز دور القطاع الصناعي في دعم المشاريع الاستراتيجية الكبرى في دبي.
المعادن والمواد الإنشائية
أكد علي عبدالله الشيراوي، رئيس مجلس إدارة مجموعة «لاونج»، أن إطلاق الخط الذهبي لمترو دبي يمثل محركاً مباشراً لتعزيز الطلب على المنتجات الصناعية المحلية وعلى الصناعات التحويلية، خصوصاً في قطاعات المعادن ومواد البناء والصناعات الهندسية المرتبطة بالمشروعات الكبرى.
وأوضح الشيراوي أن مشاريع المترو عادة ما تولد دورة طلب صناعي واسعة تبدأ من الحديد والصلب المستخدم في الهياكل الإنشائية والجسور والأنفاق، مروراً بسبائك الألمنيوم الداخلة في تصنيع عربات القطارات وأنظمة المحطات، وهو ما ينعكس على رفع الطاقة التشغيلية للمصانع المعدنية داخل الدولة.
وقال الشيراوي: إن المشروع سيعزز قيمة الأراضي والعقارات، لاسيما في مواقع المحطات ال 18 كما سيسهم في تخفيف الازدحام وتعزيز الاستدامة كمحور استراتيجي لاقتصاد دبي كم سيرسخ مكانة دبي الحضرية عالمياً.
صناعة الصلب
قال بهارات باتيا، رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لشركة كوناريس للصلب، ومقرها منطقة جافزا في دبي، إن مشروع الخط الذهبي يعكس نهج دبي في التخطيط الحضري طويل الأمد، مشيراً إلى أن المدينة اعتادت إطلاق مشاريع بنية تحتية كبرى استباقاً لمتطلبات النمو المستقبلي.
وأوضح أن المشروع يمثل امتداداً لمسيرة تطوير شبكة المترو في دبي، ما يعزز الزخم الاقتصادي ويضع القطاع الصناعي أمام دور محوري في توفير المواد والمكونات اللازمة لتنفيذ المشروع وفق أعلى معايير الجودة والكفاءة.
وأضاف باتيا أن مشاريع المترو تعتمد في جوهرها على هياكل فولاذية معقدة تشمل القطارات والمحطات والأنفاق، موضحاً أن كل متر من الأنفاق تحت الأرض يتطلب هياكل فولاذية إنشائية لتثبيت التربة وضمان استقرارها.
وأشار إلى أنه استناداً إلى خبرة الشركة في دعم مراحل سابقة من مترو دبي، يمكن أن يشكل الصلب ما يقارب 20% من إجمالي تكلفة المشروع، وهو ما يمثل طلباً كبيراً يدعم خطط توسع القطاع الصناعي، خصوصاً في مجال تصنيع الصلب داخل دولة الإمارات.
ولفت إلى أن كوناريس شاركت في تنفيذ مراحل متعددة من مشروع مترو دبي منذ الخطين الأحمر والأخضر، مروراً بمراحل التوسع اللاحقة، مؤكداً أن الخط الذهبي سيعزز بدوره دور المترو كعمود فقري للحركة الحضرية في دبي، خاصة في مناطق مثل الخليج التجاري و«مدينة محمد بن راشد» و«ميدان» و«قرية جميرا الدائرية» التي تشهد توسعاً عمرانياً متسارعاً.
وأوضح أن المشروع سيضاعف الطلب على الصلب في هذه الممرات التنموية، ما يفتح فرصاً مهمة أمام المصنعين المحليين لإبراز قدرتهم على تلبية متطلبات مشاريع البنية التحتية الكبرى من حيث الجودة وحجم الإنتاج والالتزام بالجداول الزمنية.
وأشار باتيا إلى أن طرح المناقصات المتوقعة خلال عام 2026، مع ترسية العقود في عام 2027، يوفر إطاراً زمنياً واضحاً أمام المصنعين المحليين لتعزيز جاهزيتهم الصناعية وتوسيع قدراتهم الإنتاجية.
وأكد أن الاعتماد على المصادر المحلية في تنفيذ مثل هذه المشاريع يسهم في تعزيز كفاءة سلاسل التوريد الصناعية، ويتماشى مع التوجهات الوطنية الرامية إلى دعم النمو الصناعي وتعزيز الاكتفاء الذاتي في القطاعات الاستراتيجية.
طلب صناعي
أكد الدكتور أحمد بن حسن الشيخ، الخبير الاقتصادي، أن مشروع الخط الذهبي لمترو دبي يمثل دفعة نوعية للصناعات المحلية في دولة الإمارات ودبي، نظراً لحجم الطلب الصناعي الكبير الذي تولده مشاريع النقل الحضري المتقدمة، وما تفرضه من احتياجات واسعة للمواد والمكونات الصناعية المرتبطة بالبنية التحتية.
وأوضح أن مشاريع المترو تُعد من أكثر المشاريع كثافة في استخدام المدخلات الصناعية، حيث تعتمد على كميات كبيرة من الحديد والصلب والألمنيوم ومواد العزل والكابلات الكهربائية وأنظمة التحكم والإشارات.
وأضاف الشيخ أن هذه المشاريع تخلق دورة طلب صناعي تمتد لعدة سنوات خلال مراحل التصميم والإنشاء والتجهيز، ما يمنح المصانع المحلية فرصة لتعزيز إنتاجها وتوسيع طاقاتها التشغيلية، خصوصاً في الصناعات المعدنية والهندسية ومواد البناء.
وأشار إلى أن الأثر الاقتصادي لمشروعات المترو يتجاوز القطاع الصناعي ليشمل قطاعات اقتصادية أخرى، مثل الخدمات اللوجستية والنقل والتطوير العقاري، حيث تسهم شبكات النقل المتقدمة في تحسين كفاءة الحركة داخل المدن وتعزيز جاذبية المناطق المحيطة بالمحطات للاستثمار.
ولفت الشيخ إلى أن توسع البنية التحتية للنقل في دبي يعزز كذلك تكامل سلاسل التوريد الصناعية، إذ يتيح للموردين المحليين المشاركة بشكل أكبر في تنفيذ المشاريع الكبرى، وهو ما يدعم استراتيجية الدولة الرامية إلى تنمية القطاع الصناعي وزيادة مساهمته في الاقتصاد الوطني.
وأكد أن مثل هذه المشاريع الاستراتيجية لا تعزز البنية التحتية فحسب، بل تسهم أيضاً في تحفيز النشاط الاقتصادي وخلق فرص استثمارية جديدة عبر قطاعات متعددة مرتبطة بالتنمية الحضرية والصناعية.
ترسيخ مكانة دبي
أكد سيدهارث بالاشاندران، الرئيس التنفيذي لشركة «بيوميرك» ورئيس مجلس الأعمال الهندي المهني في دبي، أن إطلاق «الخط الذهبي» لمترو دبي يشكّل دفعة نوعية للقطاع الصناعي في دولة الإمارات.
وأوضح أن هذا النوع من مشاريع البنية التحتية الكبرى يعيد تشكيل ديناميكيات الطلب داخل المنظومة الصناعية، من مواد البناء والخدمات الهندسية إلى التصنيع والخدمات اللوجستية، بما يخلق أثراً اقتصادياً مضاعفاً واسع النطاق.
وأشار إلى أن تحسين الربط بين المناطق الصناعية والمراكز الحضرية يعزز كفاءة العمليات التشغيلية ويقلّص التحديات اللوجستية، ما ينعكس مباشرة على زيادة الإنتاجية ورفع تنافسية الشركات.
كما يسهم المشروع في ترسيخ مكانة دبي كمركز صناعي عالمي قادر على جذب الاستثمارات، في ظل بيئة أعمال أكثر اتصالاً ومرونة.
وأضاف أن هذه الاستثمارات الاستراتيجية تمثل ركيزة أساسية لدعم تنويع القاعدة الصناعية، وتسريع الانتقال نحو نموذج نمو مستدام قائم على الابتكار، بما يتماشى مع التوجهات الاقتصادية طويلة الأمد لدولة الإمارات.
تكامل البنية التحتية
قال إبراهيم إمام، الرئيس التنفيذي والشريك المؤسس لشركة «بلان ريدر»، إن توسعة مترو دبي، ولاسيما الخط الذهبي، يجب النظر إليها على أنها أكثر من مجرد مشروع نقل، إذ تعكس تحولاً أوسع في طريقة تخطيط دبي للنمو العمراني.
وأضاف أن المشروع يعكس توجهاً نحو تكامل أكبر بين البنية التحتية للتنقل والتوسع الحضري والتطوير العقاري واسع النطاق، بما يتماشى مع أهداف مخطط دبي الحضري 2040 الذي يركز على المجتمعات المتكاملة وتحسين الربط ورفع كفاءة البنية التحتية الحضرية.
وأوضح أن دلالات هذا التوجه تبدو واضحة بالنسبة لقطاع التشييد والبناء، إذ كلما تقدمت شبكات النقل والمشاريع الكبرى جنباً إلى جنب، أصبحت عملية تسليم المشاريع أكثر ترابطاً وأكثر تطلباً من حيث التنسيق والتنفيذ.
وأشار إلى أن التحدي لم يعد يقتصر على سرعة التنفيذ فقط، بل بات مرتبطاً أيضاً بقدرة فرق العمل على تنسيق العمليات بين المقاولين والاستشاريين والموردين والجهات المعنية بالاعتمادات ضمن بيئات تنفيذية أكثر تعقيداً.
ولفت إلى أنه في ظل هذا التعقيد المتزايد، تصبح أتمتة العمليات وتحسين التنسيق الرقمي بين أطراف المشروع عناصر أساسية لضمان كفاءة التنفيذ، وليس مجرد أدوات إضافية لإدارة المشاريع.