تشهد سوق مواد البناء في دبي، موجة ارتفاعات كبيرة منذ مطلع العام 2026، مدفوعة بتقاطع ضغوط محلية ناتجة عن ازدهار النشاط العقاري، وعوامل خارجية مرتبطة بارتفاع تكاليف الشحن والطاقة والوقود في ظل التوترات الجيوسياسية الراهنة.
وبحسب مصادر عاملة في قطاع البناء والمقاولات، بلغت هذه الزيادات ذروتها خلال مارس/ آذار الماضي، ومطلع إبريل/ نيسان الجاري، حيث انعكست بشكل مباشر على مختلف مدخلات البناء الأساسية.
فقد ارتفع سعر طن الحديد بنحو 40%، ليصل إلى نحو 2950 درهماً و3000 درهم، مقابل 2150 درهماً في بداية العام، في مؤشر واضح على تسارع وتيرة التضخم في المواد الإنشائية الرئيسية.
ولم تكن هذه الزيادات مقتصرة على الحديد، إذ ارتفع سعر كيس الأسمنت بنسبة 36% ليصل إلى 15 درهماً مقارنة بـ11 درهماً، في حين قفزت أسعار الخرسانة العادية بنسبة 52% إلى 335 درهماً، مقابل 220 درهماً. أما الخرسانة المسلحة، فقد سجلت زيادة بنسبة 46% لتصل إلى 380 درهماً مقارنة بـ 260 درهماً. ويبرز في هذا السياق الارتفاع الحاد في كلفة عمليات ضخ الباطون، التي قفزت بنسبة 127%، من 11 درهماً للمتر إلى 25 درهماً للمتر، ما يعكس ضغوطاً إضافية على تكاليف التنفيذ المباشر للمشاريع.
وبالنسبة للطابوق، حيث ارتفعت أسعار «المفرغ» بنسبة 57%، من 2.8 درهم للقطعة إلى 4.4 درهم، بينما زادت أسعار الطابوق الحراري بنسبة 31% من 5.2 درهم إلى 6.8 درهم للقطعة. كما طالت الزيادات مواد الردم الأساسية، حيث ارتفع سعر الرمل الأبيض بنسبة 42% ليصل إلى 1350 درهماً للشاحنة مقارنة بـ950 درهماً، في حين صعد الرمل الأسود بنسبة 40% إلى 1400 درهماً مقابل 1000 درهم.
طلب محلي
ويعزو متعاملون في السوق هذه القفزات إلى عاملين رئيسيين: الأول يتمثل في قوة الطلب العقاري، خصوصاً في دبي، حيث يواصل القطاع تسجيل نمو قوي مدفوع بارتفاع المبيعات وزيادة إطلاق المشاريع الجديدة، ما أدى إلى ضغط متزايد على سلاسل الإمداد ورفع مستويات الطلب على المواد الأساسية بوتيرة تفوق العرض في بعض الفترات.
أما العامل الثاني، فيرتبط بالعامل الخارجي، حيث أسهمت التوترات الجيوسياسية في رفع تكاليف الشحن البحري والتأمين، إضافة إلى زيادة أسعار الوقود، وهو ما انعكس مباشرة على كلفة استيراد المواد الخام ونقلها داخل الدولة وبالتالي زيادة تكاليف مراحل تصنيع موادها. كما أدت اضطرابات بعض الممرات البحرية الحيوية إلى إطالة زمن الشحن ورفع تكاليفه، ما زاد من حدة الضغوط التضخمية.
وتعكس هذه التطورات؛ تفاعلاً معقداً بين طلب محلي قوي مدفوع بزخم عقاري غير مسبوق، وعرض عالمي مقيد بارتفاع تكاليف الطاقة والخدمات اللوجستية، ما يضع قطاع البناء أمام تحديات متزايدة في إدارة التكاليف والحفاظ على هوامش الربحية خلال الفترة المقبلة.