الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

حسن شريف... اللوحة لحظة تأمل

4 مايو 2026 14:46 مساء | آخر تحديث: 4 مايو 15:12 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
حسن شريف
حسن شريف
icon الخلاصة icon
حسن شريف بسلسلة «رجل وجبل» يستكشف وجود الإنسان والبيئة والاغتراب عبر تجريد هندسي؛ رجل أبيض يطفو فوق جبال ملونة رمز للتسامي وسط صخب الحياة والتحولات
في عامي 2008 و2009، أطلق الفنان الراحل حسن شريف سلسلة من اللوحات أطلق عليها اسم «رجل وجبل»، بذل فيها جهداً فنياً كبيراً بألوان تجريدية هندسية، تناقش قضايا الإنسان الفرد في العصر الحديث والقضايا المتعلقة به مثل الوجود والبيئة والاغتراب والتشظي الوجداني.
من هذه السلسلة لوحة «رجل وجبل» رقم «4»، وهي عبارة عن «زيت على كانفاس»، يظهر فيها رجل «باللون الأبيض» يستلقي على الجبل بصورة مقوسة، بشكل يبدو فيه وكأنه يطير أو يطفو فوق القمم الملونة. واللوحة هي استكشاف للعلاقة بين الإنسان والبيئة المحيطة به، ولعل تلك الوضعية للرجل في العمل تُفسَّر غالباً على أنها رمز للتسامي الروحي أو الجسدي والتحرر من القيود المادية. وتعكس اللوحة أسلوب شريف التجريدي غير التقليدي بطريقة ينتج معها لغة بصرية عالمية تعتمد على ضربات فرشاة قوية ومتكررة مفعمة بالألوان الصارخة.
*تحولات
تنطوي الكثير من أعمال شريف على حس نقدي وتأملي حاد، خاصة في ما يتعلق بتسليط الضوء على التغيرات الاجتماعية والتحولات المتسارعة في منطقة الخليج بل والعالم أجمع. وربما ذلك ما يشير إليه العمق الفلسفي في هذه اللوحة، والذي يتجاوز مجرد الشكل والألوان، فالعمل يتيح للمشاهد قراءات متعددة لفهم رسالته. فالتناغم بين الطبيعة والإنسان تبرزه اللوحة من خلال تلك الانسيابية لجسد الرجل فوق الجبال الملونة، فهذا التقوس ربما يوحي بالاندماج والتماهي، وكأن الإنسان ليس منفصلاً عن الأرض، إنما هو جزء من إيقاعها وحركتها.

*دلالة

لكن لماذا جاء الرجل باللون الأبيض وسط كل تلك البهرجة اللونية؟ لماذا جرّده شريف من الغطاء اللوني؟ فمن الواضح أن ذلك الأمر لم يكن مصادفة أو عفوياً، ففيه العديد من الدلالات الفلسفية العميقة، وكذلك الأبعاد الجمالية، ففي وسط هذا التشتت اللوني الذي يرمز لصخب الحياة، يعمل اللون الأبيض مساحة لراحة العين، فهو الذي يمنح اللوحة توازنها، ويجعل الناظر في حالة تركيز على الإنسان كعنصر أساسي لا يضيع في الزحام.
كما أن اللون الأبيض يرمز إلى الجوهر والروح الصافية، فالفنان أراد أن يجرد «إنسانه» هذا من أي انتماء طبقي أو عرقي، ليقدمه ككائن وجودي خالص. كما أن اللون الأبيض يعزز من فكرة غربة المرء في محيط هادر، فالبهرجة اللونية تمثل ضغوط الحياة المعاصرة والمتغيرات الكبرى، بينما يظل الرجل بلونه الأبيض هذا عصياً على الذوبان في القيم الجديدة، وكأن الفنان يقول إن الإنسان هو الصفحة البيضاء التي لم تتلوث بعد بتعقيدات العالم الملون المحيط بها. فالأبيض هنا هو صرخة «صمت» وسط ضجيج الألوان، وهو ما يمنح الشخصية قوتها الرمزية كفرد مستقل ونقي.

*توظيف


عبّر شريف بصورة بارعة عن صخب الحياة وازدحامها في العصر الراهن، من خلال ذلك التوظيف الخلاق للألوان المتقطعة والضربات القوية التي تشبه «البكسلات» أو النقاط الملونة، والتي تشير إلى التغير السريع والازدحام الذي شهده المجتمع والبيئة. فالجبل هنا ليس صخرة صامتة، بل هو كيان ينبض بالحركة والطاقة، فاللوحة تقول إن الإنسان كائن مرن، قادر على الطفو فوق ضجيج العالم وإيجاد توازنه الخاص وسط الألوان والتحولات المتسارعة. ولعل الأبعاد الجمالية والفلسفية في العمل تتجلى من خلال دمج الفنان بين البساطة البصرية والتعقيد الفكري، عبر إبراز الذات البشرية كعنصر منفصل وواضح وسط ضجيج الوجود.
وتعتمد اللوحة على «التكرار النمطي» لضربات الفرشاة، وهو ما يمنحها حركية واهتزازاً بصرياً يوحي بأن الجبل والبيئة في حالة تغير مستمر وليسا جماداً. فالانحناءة الحادة في جسد الرجل تكسر جمود الخطوط الرأسية للجبال، مما يخلق توازناً بصرياً بين استقرار الجبل وحركة الإنسان، فلئن كان الجبل يظهر كبناء منظم من الألوان، فإن الجسد يمثل «الحرية» والرغبة في الخروج عن النسق الرتيب أو عن «النظام».
لوحة "رجل وجبل"
لوحة "رجل وجبل"

logo اقرأ المزيد

الاكثر قراءه