مع تسارع التحولات في قطاع الصناعات الدوائية، تبرز دولة الإمارات كنموذج متقدم في تعزيز التصنيع المحلي وترسيخ منظومة الأمن الدوائي، مدفوعة برؤية تنظيمية واستثمارية متكاملة. وفي هذا الإطار، تسجل الشركات الوطنية حضوراً متنامياً يعكس انتقال القطاع من مرحلة التخطيط إلى التنفيذ الفعلي.
وفي هذا السياق، أوضح الدكتور باسم البراهمة، الرئيس التنفيذي لشركة جلوبال فارما، أن ما يشهده القطاع اليوم هو "تسارع غير مسبوق في وتيرة تسجيل وإطلاق الأدوية"، مشيراً إلى أن الشركة نجحت في تسجيل وإطلاق 25 منتجاً خلال عام 2025، في خطوة تعكس كفاءة البيئة التنظيمية والدعم الحكومي للقطاع.
من السياسات إلى التنفيذ
تأتي هذه التطورات في سياق توجه أوسع لتعزيز مرونة الأنظمة الصحية على المستويين الوطني والإقليمي، حيث لم تعد الاستراتيجيات الصحية تقتصر على وضع السياسات، بل انتقلت إلى التطبيق العملي على أرض الواقع.
وأشار البراهمة إلى أن "أهم ما يميز هذه المرحلة هو سرعة الاستجابة من الطرفين، سواء الجهات التنظيمية أو القطاع الخاص"، وهو ما انعكس في تحقيق نتائج تشغيلية بارزة، من بينها إنتاج 44.9 مليون عبوة دوائية خلال عام 2025، دون تسجيل أي حالات استدعاء أو إصابات عمل.
جودة راسخة وثقة ممتدة
تعتمد جلوبال فارما في نموها على منظومة متكاملة ترتكز على القدرات التصنيعية المتقدمة، وفريق عمل يتمتع بخبرات طويلة، إلى جانب التوسع المستمر في إطلاق المنتجات.
ورغم انتهاء شراكتها مع شركة عالمية في عام 2019، واصلت الشركة العمل وفق المعايير الدولية نفسها، ما عزز من جودة منتجاتها ومكانتها في السوق.
وفي هذا السياق، شدد البراهمة على أن "الجودة ليست خياراً، بل التزام أساسي لا يمكن التنازل عنه"، لافتاً إلى أن الشركة لم تسجل أي حالات استدعاء لمنتجاتها منذ أكثر من 27 عاماً، وهو ما يعكس مستوى الثقة الذي تحظى به لدى الأطباء والصيادلة والمرضى.
التصنيع المحلي ركيزة للاستدامة الصحية
يكتسب التصنيع الدوائي المحلي أهمية متزايدة، خاصة في ظل التحديات العالمية التي أبرزت ضرورة تحقيق الاكتفاء الذاتي وتعزيز سلاسل الإمداد.
وقال البراهمة: "التصنيع المحلي هو حجر الزاوية في تحقيق الأمن الدوائي"، مشيراً إلى أن التجربة التي مرت بها الدولة خلال جائحة كوفيد-19 أثبتت قدرة الشركات الوطنية على الاستجابة السريعة، سواء في إنتاج المعقمات أو الأدوية المتخصصة.
وتصدر جلوبال فارما منتجاتها اليوم إلى أكثر من 12 دولة، ما يعكس قدرتها على المنافسة في الأسواق الإقليمية والدولية، مستفيدة من جودة التصنيع وكفاءة العمليات.
الإمارات مركز تنافسي للصناعات الدوائية
تستفيد الشركة من البيئة المتكاملة التي توفرها دولة الإمارات، والتي تجمع بين التشريعات المرنة، والقدرات الاستثمارية، وتوفر الكفاءات البشرية.
وأوضح البراهمة أن "دولة الإمارات تمتلك منظومة متكاملة من القوانين المشجعة والاستثمارات والموارد البشرية المؤهلة، ما يجعلها في موقع متقدم كمركز إقليمي للصناعات الدوائية"، مؤكداً أن هذا التكامل يسهم في دعم نمو الشركات الوطنية وتعزيز تنافسيتها.
توسع إقليمي برؤية عالمية
على صعيد التوسع، تواصل جلوبال فارما تعزيز حضورها في الأسواق الرئيسية، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، حيث تعتمد على سجلها الممتد وثقة السوق، إلى جانب خطط لإطلاق منتجات جديدة.
كما تتجه الشركة نحو أسواق أفريقيا، التي تمثل إحدى أسرع الأسواق نمواً، رغم التحديات المرتبطة باختلاف الأنظمة التنظيمية وسلاسل الإمداد.
ويشكل ارتباط جلوبال فارما بدبي للاستثمار عاملاً محورياً في هذا التوجه، حيث يتيح لها الوصول إلى أسواق جديدة، من بينها أنغولا، التي تشهد توجهاً لإنشاء منشآت تصنيع تدعم التوسع في القارة الأفريقية.
وفي هذا السياق، تعمل الشركة على ترسيخ حضورها العالمي، مع خطط للتوسع في الأسواق الأوروبية، ومن ثم الأمريكية، ضمن رؤية طويلة الأمد للتحول إلى شركة دوائية عالمية.
الاستدامة والمسؤولية المجتمعية
تولي جلوبال فارما أهمية متزايدة لممارسات الاستدامة، سواء على مستوى العمليات أو المنتجات، حيث كانت من أوائل الشركات في الإمارات التي اعتمدت عبوات أدوية مدعومة بلغة برايل للمكفوفين، إلى جانب تقنيات QR لتعزيز وصول المعلومات للمرضى.
كما تنفذ الشركة مبادرات في مجال الطاقة المتجددة، وإعادة تدوير المياه، وتقليل الاعتماد على الورق عبر التحول الرقمي، حيث وصلت نسبة الرقمنة في مختبرات الجودة إلى نحو 90%، الأمر الذي يسهم في خفض استهلاك الورق بما يقارب 9 أطنان سنوياً، إلى جانب استخدام تقنيات متقدمة مثل البلوك تشين لتعزيز تتبع المنتجات وضمان جودتها.
وعلى صعيد المسؤولية المجتمعية، دعمت الشركة عدداً من المبادرات الإنسانية، من بينها تقديم مساعدات مباشرة إلى لبنان، إلى جانب مساهمتها في دعم الجهود الإغاثية في غزة عبر مبادرات حكومية معتمدة.
مرحلة جديدة من النمو
تواصل الشركة تنفيذ خططها التوسعية، حيث بدأت بالفعل زيادة مساحة منشآتها في مجمع دبي للاستثمار بنسبة تتراوح بين 20 و30%، إلى جانب إدخال تقنيات تصنيع متقدمة تشمل أنظمة دوائية حديثة، بما يعزز تنوع محفظتها ويدعم قدرتها الإنتاجية.
تمضي الشركة نحو مرحلة جديدة من النمو، مدفوعة برؤية استراتيجية واضحة، ودعم البيئة الإماراتية، وسعيها المستمر لتعزيز حضورها الإقليمي والعالمي.