برحيل الفنان المصري القدير عبد الرحمن أبو زهرة عن عمر ناهز 92 عاماً الاثنين 11 مايو/أيار 2026، فقدت الساحة الفنية واحداً من أعظم الممثلين الذين تركوا بصمة استثنائية في تاريخ الدراما العربية.
ورغم أن الجمهور عرفه دائماً بملامح الشر الصارمة والصوت القوي، والأداء الذي يبث الرهبة في النفوس، فإن حياة عبد الرحمن أبو زهرة حملت جانباً مختلفاً؛ إذ بدأ رحلته طفلاً خجولاً يخشى الحديث أمام الآخرين، ويعاني عقدة الكلام داخل المدرسة، قبل أن يتحول لاحقاً إلى واحد من أهم الأصوات الفنية الشهيرة.
عبد الرحمن أبو زهرة.. من طفل خجول إلى موهبة استثنائية
وُلد عبد الرحمن أبو زهرة في 8 مارس/آذار عام 1934، وظهرت موهبته الفنية مبكراً خلال سنوات الدراسة.
لكن المفارقة أنه كان يعاني خجلاً شديداً في طفولته حتى أصبح الحديث مع أي شخص عقدة حياته.
كما كان يخشى الامتحانات الشفوية، وكثيراً ما تعثر فيها بسبب ارتباكه، وعدم قدرته على التحدث أمام المدرسين، وذلك بحسب روايته في آخر ظهور مع الإعلامي محمود سعد.
ورغم ذلك، امتلك حساً ساخراً، وقدرة مذهلة على التقليد، وكان يقلّد معلميه باللغة العربية الفصحى ببراعة شديدة، ويتجمع حوله زملاؤه للاستماع إلى طريقته الساخرة، وأدائه المتقن للشخصيات.
وفي إحدى المرات، سمعه مدرس اللغة العربية أثناء تقليده له بالصدفة، فانبهر بقدرته على التقمص، ودقة مخارج ألفاظه، وتمكّنه من اللغة العربية، ليطلب منه بإلحاح الانضمام إلى مسرح المدرسة.
ميدالية ذهبية غيرت حياته
لم يكن التحاق أبو زهرة بالمعهد العالي للفنون المسرحية خطوة عادية في ذلك الزمن؛ إذ كان دخول مجال التمثيل يُنظر إليه باعتباره طريقاً غير مألوف اجتماعياً.
لكن نقطة التحول جاءت، بعدما حصل خلال المرحلة الثانوية على الميدالية الذهبية في التمثيل، وهو الإنجاز الذي دفع مدرس اللغة العربية، الذي كان أول من آمن بموهبته الحقيقية؛ لتشجيعه بقوة على التقدم إلى المعهد العالي للفنون المسرحية.
وزارة الحربية كانت البداية
بعد تخرجه، عمل أبو زهرة موظفاً في وزارة الحربية، لكن شغفه بالفن كان أكبر من أي وظيفة تقليدية، لينضم سريعاً إلى المسرح القومي، الذي شهد انطلاقته الحقيقية نحو النجومية.
وبدأ من خلال مسرحية «عودة الشباب» للأديب الكبير توفيق الحكيم، قبل أن يحقق نقلة فنية كبيرة من خلال مشاركته في مسرحية «بداية ونهاية». وعُرف بانضباطه الشديد داخل المسرح، وكان يؤكد دائماً أنه لا يدخل إلى البروفات، أو التصوير وبيده ورقة، لاعتماده الكامل على فهم الشخصية، والتعايش معها نفسياً.
لماذا أصبح عبد الرحمن أبو زهرة «الشرير الذي نحبه»؟
امتلك عبد الرحمن أبو زهرة أدوات خاصة جعلته واحداً من أفضل من قدّموا أدوار الشر في الدراما العربية؛ إذ جمع بين نبرة الصوت القوية، والنظرات الحادة، والقدرة على التعبير النفسي العميق، والأداء المبهر.
ورغم نجاحه في هذه النوعية من الأدوار، كان المقربون منه يؤكدون أنه في الحقيقة شخص هادئ وبسيط، ويتمتع بروح مرحة للغاية، وهو التناقض الذي زاد من عبقريته الفنية.
أقرب أدواره إلى قلبه
كان أبو زهرة من أبرز نجوم الأعمال التاريخية والدينية، خاصة بفضل إجادته المذهلة للغة العربية الفصحى، ومن أشهر أدواره شخصية الحجاج بن يوسف الثقفي في مسلسل «عمر بن عبد العزيز» وهي الشخصية التي اعتبرها الأقرب إلى قلبه، وشخصية إبليس في مسلسل «محمد رسول الله»، إلى جانب شخصية (أبو لهب) في مسلسل «صدق وعده».
«لن أعيش في جلباب أبي».. الدور الذي أعاد اكتشافه
ورغم تاريخه الطويل، ظل مسلسل «لن أعيش في جلباب أبي» أهم المحطات في مشواره، بعدما قدم شخصية «المعلم إبراهيم سردينة» التي حققت نجاحاً جماهيرياً ضخماً.
وكشف في تصريحات سابقة، أنه رفض الدور في البداية، قبل أن ينجح المخرج أحمد توفيق في إقناعه بالمشاركة، مؤكداً أن الشخصية كانت قريبة من طباعه الحقيقية، خاصة في حب الخير، ومساعدة الآخرين.
سلوى الرافعي.. قصة حب رافقته أكثر من 60 عاماً
بعيداً عن الأضواء والكاميرات، عاش أبو زهرة واحدة من أهدأ، وأطول قصص الحب في الوسط الفني، مع زوجته الكاتبة سلوى الرافعي، التي ارتبط بها لقرابة ستة عقود كاملة، وظلّت رفيقة رحلته في النجاح والتحديات حتى رحيلها عام 2019.
وأنجب الفنان الراحل من زوجته ثلاثة أبناء، وكان دائم الحديث عن أهمية الأسرة في حياته. وشكلت وفاة سلوى الرافعي صدمة كبيرة له؛ إذ بدا متأثراً بشدة برحيلها، بعد رحلة عمر طويلة جمعتهما، وظلّ بعدها يتحدث عنها بحب وامتنان، معتبراً أنها كانت السند الحقيقي في حياته خارج عالم الفن والشهرة.