الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

دكان هاشم وبدو مليحة وحكاية دروب القوافل

21 مايو 2026 21:49 مساء | آخر تحديث: 21 مايو 21:58 2026
دقائق القراءة - 6
شارك
share
سوق العرصة في الشارقة قديماً
سوق العرصة في الشارقة قديماً
icon الخلاصة icon
حكاية الطروش وقوافل بادية الشارقة وتنظيم رحلاتهم لسوق العرصة؛ هاشم يتفق مع بدو مليحة لنقل البضائع للحويلات بأمانة ووفاء
حكايات وقصص بادية الوسطى من إمارة الشارقة هي ذاكرة المكان والإنسان وتخليد لرجالات ذلك الزمن، نروي منها ما استطعنا إليها سبيلاً، ونقف في محطاتٍ سرديةٍ شائقة، ولحظاتٍ تستعيد عبق التاريخ قبل النسيان، ونستحضر وجوه الرجال الذين صنعوا الحكاية من البداية.
يعد الطروش، وكذلك «الطرشة»، أي فعل السفر والترحال، من مفردات الحياة العميقة في تراث الإمارات قديمًا، ولاسيما في البادية حيث كان الطريق أسلوب عيش، لا مجرد مسافة تُقطع.
الطروش هم القافلة، ورجال شدّوا الرحال على ظهور المطايا، ينتقلون من مضارب إلى أخرى، ومن باديةٍ إلى ساحل، يحملون البضائع كما يحملون الأخبار.
وسُمّي هؤلاء بالطروش لأنهم «يطرشون»، أي يسافرون ويغدون ويروحون بين الديار طلبًا للرزق. كانت رحلتهم تمتد ما بين ثلاثة أو أربعة أيام فوق ظهور الإبل، يشقّون الرمال بصبرٍ وعزم، تنطلق قوافلهم من عمق الصحراء متجهةً إلى أسواق الساحل، حيث تُبادل التمور والحطب والصخام والثمام بما يحتاجه أهل البادية من أرزٍ وقماشٍ وسكرٍ وبهارات وسر الكرم عندهم القهوة.
لم يكن الطارش تاجرًا فحسب، بل كان حلقة وصل بين العوالم؛ يعرف دروب الرمل كما يعرف ملامح الرجال، ويقيس المسافة بنجوم السماء، ويستدلّ على الطريق بأثر الريح وخطو الركاب. إذا وصل السوق، عُرف بسمته وهيبته، وإذا عاد إلى مضاربه، عاد ومعه رزقٌ وخبر.
دكان هاشم في الحويلات
دكان هاشم في الحويلات

استمدّ الطروش مكانتهم من مكانة التجارة نفسها؛ فهي شريان القبيلة ووسيلة بقائها في بيئةٍ شحيحة الموارد، كانوا يؤمّنون الغذاء والمؤن وسائر المستلزمات التي لا يستغني عنها البدوي في حياته اليومية، ويعودون محمّلين بما يسدّ الحاجة ويعزّز التكافل بين الناس.
وهكذا ظلّ الطروش صورةً من صور الاعتماد على النفس، وعنوانًا للثقة والأمانة، ورمزًا لمرحلةٍ كان فيها السفر شجاعة، والتجارة مسؤولية، والطريق امتحان رجال.
وقد أبدع أهالي المنطقة الوسطى من إمارة الشارقة في رحلات القوافل والطرشة، فكانوا فرسان الطريق وسادة الرحلة، يشدّون الرحال إلى السواحل على ظهور الروحال، تلك الإبل الأصيلة التي تعرف دروب الرمل كما تعرف مورد الماء. يمضون بثباتٍ وصبر، لا يثنيهم قيظ النهار ولا سكون الليل، طلبًا للرزق وتبضّعًا لأهلهم.
لم تكن رحلاتهم عشوائية، بل قامت على نظامٍ محكم ودقّةٍ تُضرب بها الأمثال. تُحدَّد أوقات المسير، وتُقسَّم المهام، ويُراعى حال الركاب والزاد والماء. يعرفون متى يسيرون، ومتى ينيخون، وأين تكون الاستراحة عند الطوى، وكيف تُحمى القافلة في الليل.
كانوا مثالاً في الانضباط وحسن التنظيم؛ إذا تحرّكت قافلتهم بدت كأنها صفٌّ منتظم، لكل رجلٍ دوره، ولكل مطيّةٍ حملها. وإذا عادوا من الساحل، عادوا محمّلين بالبضائع، وبالأخبار، وبقصص الطريق التي تزيد المجالس بهاءً.
هكذا سطّر رجال المنطقة الوسطى حضورهم في سجلّ القوافل، فكانوا عنوانًا للثقة، ونموذجًا للترتيب والدقّة، ورمزًا لمرحلةٍ كان فيها السفر علمًا وخبرة، لا مجرد انتقالٍ من مكانٍ إلى مكان.
لهذا يشكّل سوق العرصة في الشارقة بالنسبة لتلك الأقوام قلبًا نابضًا بالحياة، وبازارًا يعجّ بالألوان والروائح والأصوات، حتى ليبدو كأنه ملتقى الطرق بين المشيخات السبع. كانت القوافل تتقاطر إليه من البادية والساحل، وكلُّ بدويٍّ يمتلك ركابًا يشدّه الحنين إلى ذلك السوق العامر، حيث تختلط لهجات الناس وتتعانق حكايات السفر والتجارة.
وكان البدو، في زياراتهم القليلة إلى البلدة، يجدون في التجوال بين أزقة السوق متعةً خاصة؛ يمشون بين الدكاكين المتلاصقة، يتأملون ما عُرض فيها من بضائع جاءت من بلاد بعيدة، وكأن السوق نافذةٌ تُطل على عوالم أوسع من رمال الصحراء. ومن بينهم بدو مليحة، الذين اعتادوا أن يُرَوا على عجلٍ في السوق؛ فالدكاكين تُغلق أبوابها بعد صلاة العشاء، وليس لديهم من الوقت ما يسمح بإضاعته.
وفي سوق العرصة أيضاً، حيث تختلط رائحة البهارات بخشب الدكاكين العتيقة، وتتعالى الأصوات بين بائعٍ ومساوم، كان هاشم يذرع المكان بنظره، لا يبحث عن سلعةٍ هذه المرة، بل عن رجالٍ يحملون الأمانة كما تُحمل القِرَب في قيظ الصحراء.
كان دكانه في الحويلات، بعيداً عن الساحل بأكثر من مئة كيلومتر، في حضن الجبال، حيث الطريق ليس معبّدًا إلا بخطى الإبل وأثر الريح. ولم يكن نقل البضائع أمرًا هيّنًا؛ فالمسافة صحراء ممتدة، وسهول مفتوحة، ووديانٌ لا يُؤمَن غدرها إذا هبّت الريح.
وفي جانبٍ من السوق كان هاشم كثير التوقّف عند دكّانٍ تفوح منه روائح التوابل والبهارات، يمرّر أنامله بين الحبوب كأنّه يصغي إلى سرّها الدفين، ويسأل عن أسعارها وهو يشمّ القهوة الخضراء ويتذوّق حبات الرز، في مزيجٍ من الفضول والمتعة بما يختزنه السوق من خيرات.
وقد شدّ انتباهه ما رآه من الملابس الملوّنة، والسكاكر الحلوة التي تتلألأ في أوعيتها الزجاجية، والأواني اللامعة التي تعكس ضوء المصابيح الخافتة؛ وكان يستعيد في ذهنه دكّانه، متخيّلاً رفوفه وقد امتلأت بمثل هذه البضائع.
غير أنّ خطواته تباطأت حين بلغ دكّان صانع البنادق؛ فهناك، في الداخل المظلم، كان صاحب المحل جالسًا في سكونٍ مهيب، ينحني فوق الصناديق الخشبية يملؤها بالخراطيش، بينما خيّم في المكان صمتٌ ثقيل، كأنّه يحرس أسرار الحديد والبارود.
وعند تلك اللحظة، لم يعد هاشم قادرًا على مقاومة رائحة البارود التي تسللت إلى أنفاسه؛ فقد استوقفه المشهد كما تستوقف المسافر حكايةٌ لم تُروَ فصولها بعد.

لقاء العيون

خلال مسيرة بين الوجوه، لمح هاشم رجالاً يعرفهم بسمتهم قبل أسمائهم، بدو مليحة، كانوا قد فرغوا من بيع ما جلبوه من ديارهم؛ من الصخام، الفحم النباتي الذي يُوقد به التنور، وحزم الثمام من الحمايل، علفًا لدواب أهل الساحل والحطب الذي لاغنى عنه، جلسوا ينتظرون ساعة العودة، وإبلهم تبرك غير بعيد، كأنها تسمع همس الطريق.
اقترب هاشم، وتلاقت العيون، وفي البادية تكفي نظرةٌ لتسبق الكلام. دار الحديث قصيراً، واضحاً، بلا تعقيد، اتفقوا على أن تحمل القافلة بضائعه من سوق العرصة إلى دكانه في الحويلات، على ظهور المطايا، كما جرت عادة الرجال إذا تعاهدوا.
وبعدها خرجت القافلة برفقة هاشم، محمّلةً بالأمتعة على ظهور المطايا، مودِّعةً أطراف المدينة مع أول ضوءٍ للصباح، تمضي بخطى ثابتة نحو الفلج على أطراف الشارقة، حيث الماء عنوان الاستقرار، ثم تتابع مسيرها إلى طوي البديع، فتنحرف صوب منطقة طي، مستأنسةً بعلامات الطريق التي يعرفها أهل البادية كما يعرفون خطوط كفوفهم.
من ثم تحركت القافلة مع انكسار الشمس، والإبل تخطّ الرمل بخطوٍ واثق، تتهادى كأنها تعرف وجهتها. يتناوب فيها السير والراحة. إذا مالت الشمس للغروب، أناخوا الركاب، وأوقدوا نارًا صغيرة، يفوح منها عبق الحطب، ويتقاسمون الزاد كما يتقاسمون الطريق.
وجد هاشم في بدو مليحة الكرم الصافي؛ لم يتركوه غريبًا بينهم، بل كان واحدًا منهم. يُقدَّم له فنجان القهوة قبل أن يطلب، ويُمدّ له الطعام قبل أن تمتد يده. وإذا سكن الليل، ناموا وهم يتناوبون الحراسة، عيونهم على الأفق، وسلاحهم قريب، يحفظون الأمانة كما يحفظون العهد.

على إيقاع الإبل

تكمل الرحلة إلى طوي المرّة، ثم إلى طوي البحوث، تقطع الفيافي على إيقاع خطى الإبل وصوت الريح العابرة بين الرمال، حتى تبلغ في يومها الثالث طوي الحصون، ثم طوي ميثا؛ محطاتٍ تحفظها الذاكرة كما تحفظها خرائط القوافل القديمة.
ومع انبلاج فجر اليوم الرابع، تلوح في الأفق صورة جبل الروضة شامخةً كعلامةٍ يهتدي بها السائرون، فيدركون اقتراب الممرّ الأهم: وادي القور، ذلك الشريان الجبلي الذي يشقّ الطريق نحو الحويلات، هناك تتبدّل ملامح الأرض؛ من امتداد الرمل إلى صلابة الجبال، ومن فسحة الأفق المفتوح إلى تضاريس تحتضن المسافرين بين جنباتها،فتلوح في الأفق شيئًا فشيئًا حتى بدت الحويلات كأنها وعدٌ يقترب.
تسير القافلة في بطن الوادي، تتردّد أصداء الخطى بين الصخور، حتى تصل المقصد وقد حفرت الأيام الأربعة أثرها في الوجوه والقلوب، لم تكن الرحلة مجرد انتقالٍ مكاني، بل كانت مسارًا من الصبر والمعرفة؛ تُقاس فيه المسافات بالتحمّل، وتُختبر فيه الألفة بين الرفاق، وتُكتب فيه حكاية الطريق كما يكتبها الرمل أثره تحت الأقدام، وكما تحفظ الجبال صدى العابرين.
كان الطريق مدرسة رجال؛ في النهار صبرٌ واحتمال، وفي الليل سمرٌ وحكايات عن المطر والمرابع وأخبار القوافل.
وعند دكان هاشم تبلغ الرحلة نهايتها؛ تُنزل الأحمال، وتُرتَّب البضائع، وتتهلّل الوجوه رغم وعثاء الطريق. وعلى عتبة الدكان يُحدَّد موعدٌ جديد، فالقافلة لا تعرف السكون؛ إذ ستعود بذات الرجال والمطايا، حاملةً منتجات الوادي والجبال إلى الساحل، في دورةٍ تجاريةٍ تحفظ توازن المكان وتصل أطرافه ببعضها.
لم يكن ما جرى مجرد نقل متاع، بل كان حكاية وفاءٍ بين الساحل والداخل، بين تاجرٍ وثق برجال الصحراء، ورجالٍ أثبتوا أن الأمانة عندهم أثقل من الحمل، وأغلى من الربح، هكذا كانت القوافل، لا تحمل السلع وحدها، بل تحمل معها الشهامة، ورائحة القهوة، وصدق العهد في دروبٍ لا يعرفها إلا أهلها.
‏‫

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة