في بيئة مساعدات دولية تزداد تقلباً، لم يعد العمل الخيري المؤسسي مطالباً بسد الثغرات فحسب، بل بالإسهام في تقوية المنظومات والشراكات التي تمكّن المجتمعات من مواصلة التقدم، حين تتبدل الظروف. وهذا معيار يتجاوز الظهور التسويقي، أو حجم الإنفاق، أو العطاء العابر.
أما السياق الأوسع، فيزداد ضغطاً. فالتمويل الإنمائي العام يواجه ضغوطاً متصاعدة، مع اتجاه كبار المانحين إلى موازنات أكثر تقييداً، ودعم أكثر انتقائية. وفي هذا المناخ، يصبح من الضروري أن تحافظ الشركات على بوصلتها الاستراتيجية.
أما السياق الأوسع، فيزداد ضغطاً. فالتمويل الإنمائي العام يواجه ضغوطاً متصاعدة، مع اتجاه كبار المانحين إلى موازنات أكثر تقييداً، ودعم أكثر انتقائية. وفي هذا المناخ، يصبح من الضروري أن تحافظ الشركات على بوصلتها الاستراتيجية.
المسؤولية المجتمعية
في الهلال للمشاريع، تقوم المسؤولية المجتمعية للشركات على تحقيق نتائج ملموسة على مستوى المجتمع، من خلال شراكات منظمة وطويلة الأمد مع مؤسسات تعمل من قلب المجتمعات المحلية، ضمن مجالات تركيز محدّدة تنسجم مع خبرات الشركة والأولويات المحلية.
وفي عام 2024، استفاد 50,188 فرداً من أنشطة المسؤولية المجتمعية في الهلال للمشاريع. وفي منظومة وطنية ناضجة، مثل دولة الإمارات، حيث القدرات المؤسسية قوية، والتوقعات المرتبطة بالنتائج القابلة للقياس مرتفعة، يصبح الاستثمار الاجتماعي مطالباً بإثبات قيمة مضافة واضحة، واتساق فعلي، وأثر يدوم.
الانضباط والاختيار
تتعامل الهلال للمشاريع مع العمل الخيري المؤسسي باعتباره نهجاً مؤسسياً قائماً على الانضباط والاختيار المقصود، لا مجرد تبرعات متفرقة. فهي تستند إلى حوكمة واضحة تساعد على ترتيب الأولويات وإدارة المفاضلات بوعي، وتعتمد قياساً متناسباً مع حجم التدخل، بحيث توظَّف الدروس المستفادة في تحسين التنفيذ، لا في إنتاج التقارير فحسب. وقد حظي هذا النهج بتقدير وطني، تجلّى في حصول الشركة على وسام الأثر المجتمعي الفئة البلاتينية من «مجرى» عام 2022.
وقالت علا الحاج حسين، مديرة المسؤولية المجتمعية في الهلال للمشاريع:
«المسؤولية المجتمعية الفاعلة تبدأ من وضوح ما نريد تحقيقه، والانسجام مع الأولويات الوطنية، واختيار شركاء تنفيذ موثوقين، واعتماد قياس يدعم التنفيذ ويطوره، لا يقتصر على إعداد التقارير. وعندما تُبنى الشراكات بهذا القدر من الانضباط، يصبح الاستثمار الاجتماعي أقدر على الاستمرار، وأوسع أثراً، وأكثر خضوعاً للمساءلة».
خمسة أبعاد
هناك خمسة أبعاد عملية تمثل ضمانات أساسية، وتمكّن العمل الخيري المؤسسي من التحول إلى قيمة ممتدة داخل المنظومة الوطنية، أولها القيادة ووضوح الوجهة الاستراتيجية، حيث يبدأ الأثر الذي يدوم من رؤية متماسكة لما يراد تحقيقه، ومن قيادة مستعدة لاتخاذ المفاضلات اللازمة. ويشمل ذلك صرف النظر عن فرص تبدو مغرية إذا لم تنسجم مع هذه الرؤية، ورعاية الشراكات على مدى زمني كافٍ حتى تستقر النتائج.
وثانياً العمل من داخل المنظومة والانسجام مع السياسات العامة، بحيث تكون التدخلات أكثر قابلية للاستمرار حين تساند الأولويات العامة والجهود القائمة، بدلاً من مزاحمتها، أو العمل في موازاتها. وفي سياق عالي الجاهزية مثل دولة الإمارات، لا يُعد هذا الانسجام مسألة شكلية، بل شرطاً للمصداقية، ووسيلة للحد من الازدواجية والتشتت.
وثالثاً ملكية المجتمع والتصميم التشاركي، يتوقف الأثر المستدام، على نحو متزايد، على الملكية المشتركة، لا سيما من جانب المجتمعات وشركاء التنفيذ. فالأطراف الأقرب إلى التحدي ينبغي أن يكون لها دور حقيقي في تعريف المشكلة، وصياغة الحل، وصون النتائج.
ورابعاً التعاون قبل التقدير، وغالباً ما يفضي التعاون بين أطراف متعدّدة إلى نتائج أقوى وأقدر على الاتساع من العمل الذي يقوده طرف واحد. ولا يعني ذلك أن التقدير غير مهم، بل إن الأثر المستدام يكون أكثر احتمالاً عندما تُدار الهوية المؤسسية كأحد الاعتبارات، لا كمحور رئيسي يقود العمل. فالتعاون الفاعل يوضح الأدوار، وينظم الحوكمة، ويضبط المساءلة، بما يجعل الائتلاف يعمل بوصفه منظومة واحدة متماسكة.
وخامساً، قياس الأثر بما يتناسب مع حجم الاستثمار يجمع قياس الأثر الموثوق بين المؤشرات الكمية والنوعية، ويُطوَّر بالشراكة مع الجهات المعنية، بما في ذلك المجتمعات المستفيدة. ويجب أن يكون على قدر كافٍ من الدقة، بما يتيح الاستناد إليه في اتخاذ القرار وبناء الثقة، من دون أن يفقد جدواه العملية.
أولويات موضوعية
تعمل الهلال للمشاريع على تطبيق منضبط للعمل الخيري المؤسسي عبر نهج منظم للمسؤولية المجتمعية، يرتكز إلى أولويات موضوعية طويلة الأمد، والانسجام مع المنظومتين الوطنية والمحلية، وشراكات تجمع بين رأس المال، والخبرة، والقدرة التنفيذية.
ويظهر هذا الانضباط عملياً في ثلاثة مسارات، هي، تصميم شراكات مركّزة، والحوكمة والمفاضلات، وقياس يحسّن التنفيذ.
ولا تزال فرص الوصول إلى منصات الابتكار العالمية غير متكافئة في أنحاء المنطقة العربية، لا سيما بالنسبة إلى رواد الأعمال الاجتماعيين في المراحل المبكرة، والعاملين في المناطق الناطقة باللغة العربية.
ومن خلال شراكتها مع معهد ماساتشوستس وبرنامجها MIT Solve، ساعدت الهلال للمشاريع في معالجة تحدٍ عملي، يتمثل في محدودية الفرص المتاحة أمام المبتكرين في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لفهم آليات Solve ومتطلباتها، والمشاركة فيها.
جلسات إرشادية
ونُظمت جلسات إرشادية باللغة العربية لمساعدة رواد الأعمال على صقل طلباتهم، وإحكام عرض أثرهم، وفهم متطلبات الاختيار. وقد بلغ عدد المسجلين في هذه الجلسات 95 مشاركاً، بزيادة بلغت 94% مقارنة بالعام السابق، فيما وصل عدد الحضور الفعلي إلى 25 مشاركاً، أي أكثر من ضعف عدد الحضور في الجلسة السابقة الذي بلغ 11مشاركاً. وتشير هذه النتائج الأولية إلى اتساع رقعة الوصول وارتفاع مستوى التفاعل مع رواد الأعمال في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
ومع تراجع فاعلية أنظمة الدعم التقليدية، يمكن للعمل الخيري المؤسسي أن يؤدي دوراً أكثر تحفيزاً، لكن ذلك يظل مشروطاً بالتعامل معه بوصفه نموذج عمل منضبطاً ومدروساً، لا مجرّد سلسلة من التبرعات المتفرقة. فالعمل الخيري المؤسسي الأكثر فاعلية هو ذلك الذي ينسجم مع الأولويات العامة ومع الفاعلين في المنظومة، ويبني تدخلاته على ملكية المجتمع والإسهام المشترك، وينفذ بانضباط، ويبرهن نتائجه بأدلة موثوقة.