الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

تكاليف المعيشة تعصف بشعبية ستارمر

24 مايو 2026 10:24 صباحًا | آخر تحديث: 24 مايو 10:49 2026
دقائق القراءة - 4
شارك
share


* الغلاء يُربك رئيس الوزراء البريطاني ودخل الأسر أقل من 2019
*الغذاء والوقود والرهن العقاري محاور الضغط التضخمي
*الحكومة تؤجل ضريبة الوقود وتقدم حوافز معيشية
إعداد: هشام مدخنة
تولى رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، منصبه في 2024 مدعوماً بأكبر أغلبية برلمانية يحققها حزب العمال منذ عام 1997، حاملاً وعوداً بإعادة الاستقرار الاقتصادي وتحسين مستويات المعيشة بعد 14 عاماً من حكم المحافظين. لكن بعد أقل من عامين، ترزح تلك التوقعات تحت اختبار قاسٍ، مع تصاعد الضغوط المعيشية وتراجع ثقة الشارع البريطاني في قدرة الحكومة الجديدة على تقديم انفراجة ملموسة.
وباتت أزمة كلفة المعيشة في بريطانيا أحد أكبر التحديات السياسية والاقتصادية أمام حكومة العمال، في وقت تشير فيه استطلاعات الرأي إلى هبوط حاد في شعبية الحزب، مع اتساع الفجوة بين الوعود الانتخابية والواقع الاقتصادي الذي يواجهه البريطانيون يومياً.
وكشفت بيانات "يوغوف" أن المخاوف المرتبطة بالاقتصاد تجاوزت ملفات أخرى مثل الهجرة لتصبح القضية الأكثر إلحاحاً لدى البريطانيين، في انعكاس واضح لاستمرار الضغوط التضخمية التي بدأت منذ أزمة الطاقة العالمية عام 2022، ثم عادت إلى الواجهة مع ارتفاع أسعار النفط على خلفية الحرب في إيران.
التضخم يعود إلى الواجهة
الصدمة التضخمية التي ضربت بريطانيا عقب الحرب الروسية الأوكرانية لم تتلاشَ بالكامل، رغم تراجع المعدلات القياسية التي تجاوزت 11% في ذروة الأزمة. ومع اندلاع الحرب في إيران وارتفاع أسعار النفط بأكثر من 50%، عادت المخاوف مجدداً من موجة تضخم جديدة قد تطيل أمد الضغوط على المستهلكين.
يأتي هذا التصعيد في وقت لم تتمكن فيه دخول الأسر البريطانية من استعادة قدرتها الشرائية بشكل كامل. فبرغم تحسن نمو الأجور منذ الجائحة، لا تزال الزيادة أقل من وتيرة ارتفاع الأسعار، ما جعل الدخل الحقيقي بعد الضرائب أقل بنحو 0.4% مقارنة بمستوياته نهاية عام 2019.
الأثر الأكبر يظهر في السلع الأكثر حضوراً في الحياة اليومية، كالغذاء والوقود والخدمات المرتبطة بالضيافة. فعلى سبيل المثال، ارتفعت أسعار المواد الغذائية بأكثر من الثلث مقارنة ببداية 2022، ما يجعل التضخم ملموساً في تفاصيل الإنفاق اليومي للأسر البريطانية، ويغذي شعوراً عاماً بأن الأزمة لم تنتهِ بعد.
الفائدة المرتفعة تزيد العبء
من العوامل التي فاقمت الأمر استمرار التضخم فوق مستهدف بنك إنجلترا، البالغ 2%، خلال معظم السنوات الخمس الماضية. هذا الواقع أبقى أسعار الفائدة البريطانية أعلى بأكثر من 1.5 نقطة مئوية مقارنة بمعدلات المركزي الأوروبي، ما زاد من كلفة الرهن العقاري والاقتراض للأسر والشركات، وضاعف الضغط على الطلب المحلي.
وبينما ترى الأسواق أن البنك المركزي البريطاني لا يزال مضطراً للحفاظ على نهجه الحذر، يشعر المواطن البريطاني بأن فاتورة التضخم تُدفع مرتين: مرة عند التسوق، ومرة عند سداد الأقساط الشهرية.
حكومة تتحرك... وإجراءات محدودة
حاولت حكومة ستارمر احتواء التذمر الشعبي عبر حزمة إجراءات تستهدف تخفيف العبء المعيشي. فقررت تأجيل الزيادة المخطط لها على ضريبة الوقود، ونقلت وزيرة المالية راشيل ريفز بعض الرسوم البيئية من فواتير الطاقة إلى الموازنة العامة، بهدف تقليل الضغط المباشر على المستهلكين.
كما أعلنت حزمة تدابير إضافية شملت توفير تنقلات صيفية مجانية لتلاميذ المدارس وخفض الرسوم الجمركية على بعض الواردات الغذائية مثل المكسرات.
غير أن هذه الخطوات، رغم أهميتها السياسية، لا تبدو حتى الآن كافية لتغيير المزاج العام، إذ ينظر إليها كثيرون كمهدئات مرحلية في مواجهة ألمٍ أكثر عمقاً وتجذراً.
ضعف الإنتاجية منذ 2008
وراء موجة الغضب الحالية تقف مشكلة هيكلية مزمنة، وهي ضعف نمو الإنتاجية في الاقتصاد البريطاني منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008.
ويرى جيمس سميث، كبير الاقتصاديين في مؤسسة "ريزولوشن فاونديشن"، أن هذه العقدة هي السبب الأهم في تباطؤ نمو الدخول الحقيقية، لأن ضعف الإنتاجية يحد من قدرة الاقتصاد على رفع الأجور بوتيرة تتجاوز التضخم على المدى الطويل.
وبينما واجهت معظم الاقتصادات المتقدمة تباطؤاً بعد الأزمة المالية، كان أثر ذلك في الاقتصاد البريطاني أكثر حدة، بفعل الاعتماد الكبير على الخدمات المالية وتباطؤ الاستثمار، إلى جانب التداعيات الاقتصادية لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وارتفاع الضرائب.
هذه العوامل مجتمعة جعلت نمو مستويات المعيشة أبطأ بكثير من العقود السابقة، بعدما كان البريطانيون يعتادون تضاعف دخولهم خلال فترات زمنية أقصر بكثير مما هو قائم اليوم.
واشنطن تتقدم... ولندن تبحث عن وصفة النمو
تبدو الولايات المتحدة أكثر قدرة على كسر هذا الجمود الاقتصادي منذ 2020، مدفوعة بمرونة سوق العمل، والتوسع في استثمارات الطاقة، والتقدم المتسارع في استخدامات الذكاء الاصطناعي. فيما تضع حكومة ستارمر تسريع النمو ضمن أولوياتها، عبر تسهيل تراخيص البناء، وتقليص فجوات المهارات، وتوسيع وصول الشركات سريعة النمو إلى التمويل طويل الأجل.
وقد حظيت هذه التوجهات بإشادة صندوق النقد الدولي، إلا أن المشكلة تكمن في أن نتائج الإصلاح الاقتصادي عادة ما تحتاج إلى سنوات قبل أن تنعكس على معيشة الأسر، بينما البريطانيون يريدون نتائج أسرع وأكثر وضوحاً.
بعد سلسلة من الصدمات المعيشية الممتدة من الأزمة المالية العالمية إلى التضخم والطاقة والحروب الجيوسياسية، تبدو ثقة المستهلك البريطاني أكثر هشاشة من أي وقت مضى. ولهذا، فإن معركة كلفة المعيشة التي يخوضها ستارمر لم تعد ملفاً اقتصادياً فحسب، بل تحولت إلى اختبار سياسي مباشر لحكومة العمال، وسط سؤال يتردد بقوة في الشارع: متى يلمس الناخب البريطاني أثر التغيير الذي صوّت له؟

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة