أن تكون الحداثةُ أوروبيّةَ المنشأ فهذا معطى تاريخيٌّ موضوعيٌّ يتّصل بمستوى التطوّر والتّراكم الذي شهدت عليه هذه القارة بين القرنين السّادس عشر والتّاسع عشر، الذي فاقَ نظائرَه في أمكنة أخرى من العالم. غير أنّ الحداثة ما لبثت أن باتت ظاهرةً كونيّة جاوزَتِ الجغرافيا المحدودة لِمَواطنها إلى العالم الأرحب.
كان ذلك في سياق خروج أوروبا نفسِها من حدودها الجغرافيّة، وفيضِها على العالم في حقبتها الكولونياليّة، حيث حملت معها - في جملة ما حملت - مكتسباتها الجديدةَ، جنباً إلى جنب مع عساكرها وجوعِها الشّديد إلى النّهب والاستحواذ. هكذا بَدَتِ الحداثةُ، عند الشّعوب والأمم غير الأوروبيّة، أشبهَ ما تكونُ بـ «غنيمة حرب» يُمثّل غُنْمُها تعويضاً عمّا فقدته الشّعوبُ والأمم تلك من أرواحٍ وسيادات ومقدَّرات: حين وقعت تحت سنابك خيل الغزاة القادمين من الشّمال.
ولكنّ خروج الحداثة من الحيّز الأوروبيّ إلى النّطاق الكونيّ لم يكن محض انتقالٍ في المكان أو توسعةٍ للنّطاق الخاصّ، وإنّما هو أتى يعيد تعريفَ الحداثة من جديد بما هي حركةٌ إنسانيّة، بما أضفى عليها ذلك التّوسُّع من خبْرات تاريخيّة جديدة خاصّةٍ بثقافات الأمم غير الأوروبيّة وحضاراتها و- بالتّالي- أتى يُقدّم مساهمتَه في تحرير الحداثة من نزعة المركزيّة الأوروبيّة، وفي إطلاق مسارها نحو الصّيرورةِ حقيقةً كونيّةً.
إذْ قلنا إنّ الحداثةَ كونيّةٌ، فإنّما قَصَدْنا بذلك إلى القول إنّها وَسِعَت في المعنى تجاربَ ونماذجَ مجتمعات عديدة، في عالم اليوم، خاضتِ المعركةَ من أجل حيازة الأسباب التي صنعت حداثةَ أوروبا، ولكن من دون احتذائها حذوَ النّعل بالنّعل، واستنساخِها وكأنّها في حكم قوانين الطّبيعة عامَّةِ الانطباق على موجودات الطّبيعة كافّة. نحن في التّاريخ، والحداثةُ تجري وتَتَخَلَّق في التّاريخ وتتنشّأ، حيث المجتمعاتُ والأممُ والثّقافاتُ والخبْراتُ تتعدّد وتتنوَّع وتتخالف ولا تقبل الاستنساخ من بعضها.
حين نصل بمفهوم الحداثة إلى هذه العتبة من التّعريف، يمكن - حينها - أن نستدرك عليه بالقول إنّ الحداثةَ، في نصابها الاعتباريّ وفي حقيقتها التّاريخيّة الرّاهنة، حداثات، أي متعدّدةُ الأشكال والنّماذج بمقدار تَعدُّد المسارات المقطوعةِ أشواطُها لبلوغها وتوطين قيَمِها في المجتمع والدّولة والوعي. القرائن على ذلك لا حصر لها في عالمنا المعاصر من اليابان، إلى الصّين، إلى كوريا، إلى الهند، إلى البرازيل، إلى روسيا، وإلى ماليزيا...إلخ.
ليس من بلدٍ، من هذه البلدان التي ذكرنا ومِن سواها ممّا لم نذكر، بَنَى حداثتَهُ على مثالٍ سبق، أو استنسخ المثال الأوروبي والأمريكيّ الشّمالي وحَذَا في التّطوُّر حذوه. وليس من بلدٍ فيها ألغى ثقافته ولغتَه القوميّة وتعرّى من خصوصيّاته ليكسوَ عُرْيه بثقافة الأجانب ولغاتهم. جميعُهم أقام الدّولة الوطنيّة الحديثة، القويّة المقتدرة، والاقتصاد العقلانيّ العصريّ، وأنتج العلم والتّكنولوجيا، وأقام التّنميّة الثّقافيّة والعلميّة بلسان قومه، ومنهم مَن أحْيا لغات وهي رميم، واستثمر كنوز تراثه وتاريخه في تعظيم التّنمية الاقتصاديّة. وبكلمة، جميعُهم بنى حداثتَهُ من دون استنساخٍ لنموذجٍ جاهز أو انحلالٍ في الآخر.
الحديث عن الحداثة جمعاً، لا مُفْرداً، أو تعريفُها بما هي حداثات ليس فذلكةً يرادُ بها إقحامُ خِبْرات أخرى من العالم، غيرِ أوروبيّة أو أمريكيّة، في عالم حداثةٍ يُنْظَر إليها خطأً، بأنّها إبداعٌ غربيٌّ حصريّ، إنّه، بالأحرى، اعترافٌ بمبدأ التّعدُّد والاختلاف داخل منظومة الحداثة، وهو مبدأ تتأبّى المركزيّةُ الغربيّة المنغلقة التّسليمَ به أو الاعتراف، لأنّ من شأن ذينك التّسليمِ والاعتراف إحداثَ زحزحةٍ في موقفيْ التّمركُز والمعياريّة اللّذين يتمسّك بهما الغربُ، المهجوس بالتّفوّق وبالتّالي، خَلْعَ النّسبيّة على معاييره ونماذجه.
أفصح ذلك الرّفض القاطع للاعتراف بوجود حداثةٍ أخرى، خارج المركز الغربيّ (الأوروبيّ- الأمريكيّ) عن نفسه، مثلاً، بمناسبة انبعاث اليابان من حريقها، بعد الحرب العالميّة الثّانيّة، وصيرورتها قوّةً اقتصاديّة وتكنولوجيّة وعلميّة ثانية في العالم، منذ منتصف القرن العشرين الماضي وحتّى نهاية القرنِ عينِه.
نبَّه الانبعاث ذاك إلى أنّ هذه القوّة التي تنتهض انتهاضةً غيرَ مسبوقة، وتقتحم عالم الحداثة من أوسع بوّاباته، ليست أوروبيّةً ولا أمريكيّة، وإنّما من عالم آسيا هي. ولأوّل مرَّةٍ سيضطرّ الخطاب الغربيّ لإعادة تصنيع مفهوم الغرب بتَوْسِعَتِه بحيث يُجاوز حدود الجغرافيا ليغدُوَ مفهوماً «حضاريّاً».
