أحياناً الحقيقة مؤلمة.
حين قال لي أحدهم ذات يوم: «في النهاية أنت من ستدفع فاتورتك، وعليك أن تخفض سقف توقعاتك من الآخرين». أحسست بثقل الجملة وخفتها في آنٍ واحد. وهكذا هي العبارات التي تترك أثراً لا يُمحى، تؤلمك وتمنحك في اللحظة ذاتها.
كثيرون منا يحملون هذا الثقل دون أن يعرفوا. سمعتها فاستفقت. أحياناً الوعي مؤلم.
في العلاقات، نحن نفترض ولا نتفاوض. نبني بيوتنا العاطفية على وعود غير معلنة واتفاقيات ننسجها في خيالاتنا، وجمل نرددها في أذهاننا بصمت: «هو سيكون هناك لأجلي، وأنا سأكون هناك لأجله».
هذا الوهم هو حديقة الخيبات. الآخر في الحقيقة لم يَعِد بشيء، لكننا حاكمناه بقسوة على وعد لم يقطعه. وحين تأتي لحظة الحاجة ونجد أنفسنا وحيدين، نسمي الأمر خيانة، والحقيقة أنها وهم يعكس حجم افتراضنا الخاطئ، لا حجم ما أخطأ به الآخر. والأغرب أن من اعتاد الأخذ يرى حاجته حقاً مكتسباً وحاجة غيره عبئاً، فإذا طُلب منه العطاء تحوّل فجأة إلى ضحية، والعجز عن العطاء أشد إيلاماً من الاعتراف به.
يعيش جيلنا اليوم ضريبة تحول ثقافي عميق. بنى مجتمعنا الخليجي هويته تاريخياً على الانتماء للجماعة وللعائلة وللحي وللمجموعة. طلب المساعدة كان لغة القرب لا علامة الضعف، والعطاء والأخذ كانا في صميم تقاليدها، لكن مع انتشار نمط الحياة الفردي، حيث الفرد وحده مسؤول عن نفسه، اضطربت المفاهيم فأصبحنا جيلاً يحمل قيماً جماعية في واقع فردي، دون لغة متزنة للتوفيق بينهما. وما نسميه «خيانة الناس» ما هو إلا تحول اجتماعي ضخم لم نستوعبه بعد.
الاعتماد على النفس عودة إلى الناس وأنت مكتمل، لا تبحث فيهم عن نسخة ناقصة منك. أجمل العلاقات تلك التي تقوم على الرفقة الحرة والاختيار الصادق، لا على ملء فراغ داخلي لا يملأه أحد.
حين تدفع فاتورتك أنت، قد يؤلمك الأمر في البداية، لكن الوجع الصادق أرحم من ديون عاطفية تتراكم في الصمت وتُثقل العلاقات دون أن يعترف بها أحد. وحين تسددها بالكامل، ستكتشف من حولك بوضوح لم تعرفه من قبل، تعرف ما تملك حقاً، ومن بقي معك حباً لا حاجة.
وتلك المعرفة أحد أعمق أشكال الحرية.
