يكتب أحدهم مخطوطته بعناية، ويركض بها إلى سجل حقوق النشر لإثبات حقه فيها، ومع ذلك، فإن أكثر ما يجهله الكاتب أحياناً، أن الكتاب منذ لحظة ولادته، يتحول إلى كائن متعدد الحيوات، وله وجوه أكثر من الغلاف الذي يلفه، وأن الحقوق هي الأشكال المختلفة التي يستطيع بها النص، أن يواصل العيش خارج لغته الأولى.
في الواقع، كثير من الكتب تبقى حبيسة لغتها، كطيور لا تعرف سوى سماء واحدة، وثمة كتب أخرى تعبر الحدود، كما تعبر الموسيقى البحار لتحيا في أروقة معارض الكتب الكبرى، وبين أيدي قراء مختلفين، فالكتب لم تعد أشياء مطبوعة فقط، بل هي أشبه بمصائر قابلة للانتقال. والنص الذي ولد في دولة عربية قد يجد قارئه في سيؤول، وذاك ربما يعيش حياة أخرى في مدريد أو إسطنبول.
وحين تباع حقوق ترجمة، لا يعني ذلك أن الكتاب فقد نفسه، بل كأنه تعلم لغة جديدة، والرواية التي ولدت عربية، قد تصبح إسبانية في نيويورك، دون أن تتخلى عن روحها الأولى. واللغة هنا ليست ترجمة كلمات فحسب، بل إعادة خلق للذاكرة داخل ثقافة أخرى.
والكاتب الذي يظن أن كتابه هو النسخة الورقية وحدها مخطئ في ذلك، فهناك حياة إلكترونية وأخرى صوتية وثالثة قد تظهر على شاشة سينما. وأحياناً يتحول النص إلى صوت يرافق سائقاً في طريق صحراوي طويل، أو يملأ عزلة شخص وحيد، وفي أحيان أكثر ندرة، تستيقظ الشخصيات وتمشي أمام الناس على الشاشة، كما لو أن الخيال قرر أخيراً أن يتخذ جسداً.
لكن أكثر ما يفتن في عالم الحقوق، فكرة نجاة الكتاب وإبقائه قادراً على التناسخ في أشكال متعددة، حتى بعد أن يغادر يد كاتبه. فالنص الناجح لا يقرأ فقط، بل يعاد إنتاجه باستمرار في لغة أخرى أو في صوت آخر أو حتى في صورة، ومع ذلك، فإن هذا العالم الواسع لا يخلو من المفارقة، فما إن يدخل الكاتب سوق الحقوق حتى يكتشف أن الحرية نفسها تحتاج إلى تعريفات دقيقة وبنود وعقود ومدد زمنية، فليس ثمة شيء أكثر هشاشة من جملة غير واضحة في عقد محكم، لأن بيع الحق لا يعني التنازل عن الروح كلها، بل السماح لجزء محدد من النص بأن يسافر مدة معينة وفي اتجاه معين.
لهذا تبدو العلاقة بين الكاتب وكتابه، أشبه بعلاقة أب بابنه حين يكبر، فهو لا يستطيع احتجازه إلى الأبد، رغم خوفه أن يبتعد أكثر مما ينبغي.
وفي النهاية، لا تقاس قيمة الكتاب بعدد نسخه فقط، بل بعدد الحيوات التي استطاع أن يعيشها. بعض الكتب تموت على الرف الأول، وبعضها تواصل عبورها الهادئ بين اللغات والقارات والوسائط، كأن الكتابة لم تكن يوماً فعل نشر فحسب، بل فن بقاء.
