أصبح الكاتب يشعر بالملل السياسي، أو بالضجر الفكري، وهو يكتب عن الحرب الإيرانية، أو يحاول تحليل ما يحدث، وسبب ذلك ليس مراوحة الأحداث في مكانها، أو تكرار التصريحات السياسية، وبعضها استفزازي، ولكن سبب ذلك يعود إلى الغموض الاستراتيجي لكلا الطرفين، فهما يدقّان طبول الحرب وفي الوقت نفسه يلهثان وراء عقد صفقة تنهي الحرب.
وتسعى بعض الماكينات الإعلامية إلى إدخال عنصر التشويق إلى المشهد، فتصف المكالمة التي دارت بين الرئيس الأمريكي ورئيس الوزراء الإسرائيلي بغير المريحة، وأن نتنياهو أنهى المكالمة وهو غاضب، بل إن الدائرة المحيطة به كانت متوترة وغاضبة. بينما الموضوع كله لا يزيد عن كونه مكالمة هاتفية أحاط كل طرف الآخر بما يمكن أن يحدث في الأيام المقبلة، لأن خطط الحرب وقراراتها لا تُناقش في مكالمة هاتفية.
نشرات الأخبار أضحت مملّة، وتجتر محتواها، والمحلّلون أصبحوا ضجرين، أو مضجرين لأنهم أدلوا بما في حوزتهم من أفكار، ولا شيء جديد، بل يكاد الطرفان، الأمريكي والإيراني، يتفقان على اللعب بأعصاب الأسواق المالية، وأسعار الذهب، والنفط الخام. لأن الخلاف الرئيسي واضح، ومحاوره واضحة، وهذه المراسلات، والمفاوضات عبر الرسائل التي تستغرق أياماً طويلة، التي تذكرنا بالحمام الزاجل، ما هي سوى تكتيكات لأفعال أكبر، ليس بالضرورة أن تكون عسكرية، فما يحدث حالياً هو جني لأرباح الصراع العسكري اقتصادياً، ويواصل الأطراف اللعبة غير عابئين بالخسائر التي تكبّدتها الدول، ولا تزال مهدّدة بها.
ويبدو أن دول مجلس التعاون الخليجي هي التي تدفع ثمن هذه الحرب، خلال المعارك وفي أوقات الهدنة، وقد تدفع ثمن التوصّل إلى صيغة لإنهاء الحرب.
على الأرجح، أن يتوصل الطرفان إلى صيغة لوقف الأعمال العسكرية، وليس لإنهاء الحرب، كي تبقى أجواء التوتر تسود المنطقة، وتبقى دولها في حاجة إلى التزوّد بالسلاح، وبناء قدراتها العسكرية، بينما المستفيد الأكبر هو مصانع الأسلحة، ومديرو الموانئ والخلجان، وشركات الأمن.
هل يمكننا القول إن دول مجلس التعاون تتعرّض لمؤامرة مزدوجة في الحرب وفي السلم؟ بعض المحللين يعتقد ذلك، ويقول إن محاولات حثيثة تمت لتوريط دول الخليج في حرب مباشرة مع إيران، ويستشهد بالمسيرات المجهولة المصدر، والتي عُرف مصدر بعضها لاحقاً، ولا يمكن وصف تلك المحاولات سوى بالشيطانية، لأنها لا تمت إلى العروبة والإسلام والوطنية بصِلة، هدفها التخريب فقط، وهناك أهداف غير معروفة حتى الآن. أما المؤامرة الاقتصادية فليست في حاجة إلى دليل، فهدفها واضح جداً، وهو ابتزاز دول المنطقة التي، حسب منطقهم، تعوم على بحيرة من الذهب الأسود. ونعتقد أن هذه الدول على علم ودراية بما يحاك ضدّها في الخفاء، ولهذا واصلت الحياة كأن شيئاً لم يكن.
ويبدو أن دولة الإمارات العربية المتحدة هي أكثر الدول استهدافاً لأسباب كثيرة، ومحاولات جرّها إلى الحرب باءت بالفشل، مع التزامها بالدفاع عن أراضيها وإنجازاتها، بكل ما تملك من وسائل، لكنها تغلّبت على كل تلك المحاولات، وتصرفت، ولا تزال، بروح المسؤولية الوطنية، ولم تُشعر مواطنيها، أو المقيمين على أرضها، بوجود أزمة، أو حرب، وهذا يعود إلى الإدارة الذكية للأزمة، واحتواء الصدمة بأسلوب متقدّم جداً، ولكنها أيضاً، كانت واضحة أمام شعبها، فتبلّغهم أولاً بأول ما يحدث، وتصف لهم مستوى الخطر.
ولا شك، بل إنه من الأمور الطبيعية، أن تتأثر بعض المجالات بالحرب، ومنها المجال الاقتصادي، لكنه لم يصل حدّ الأزمة الحقيقية، لمتانة الاقتصاد، ووضع خطط التعافي الفورية، وتطبيقها بمعايير واقعية، فاستمرت عجلة التجارة في دورانها الطبيعي، واستمرت الدولة في تقديم خدماتها كالمعتاد، بل استحدثت خدمات لمواكبة الظروف، وتسهيل حيات الشعب، من مواطنين ووافدين.
هل يشعر الإنسان العادي في هذه الظروف بالملل؟ لقد ألصقنا هذا الوصف بالمحلّلين السياسين، لكنه يمتد إلى الإنسان، فينعكس الملل السياسي على الضجر الاجتماعي، لكن النتائج تختلف، فنتيجة للمراوحة السياسية، عاد الإنسان إلى حياته الطبيعية أسرع مما توقّع، إذ لا مجال للملل الاقتصادي، ولا الضجر الاجتماعي، فعجلة الحياة لا بد أن تستمر، وربما بوتيرة أسرع بهدف التعويض، ويجب أن تتحلّى بالنوعية والمعايير العالية للوصول إلى مخرجات متفوقة.
وتبقى حالة الترقب تسود المحلل السياسي والاقتصادي والإنسان العادي، وهو فعل طبيعي جداً، أن يعمل الإنسان وعينه على الأحداث، وأن يكتب المحلّل وعينه علىى التطورات. والترقّب لا يعني التوتّر، ولا تعطيل الحياة العامة. الترقب مطلوب حتى في الأيام العادية التي تخلو من حروب. لأن الترقب يحمل التوقعات، أي السيناريوهات، وهذا الترقب ينشّط العقل الذي يدير الأزمة، فيتوهّج أكثر عن طريق الملاحقة والمتابعة. وحكومة دولة الإمارات العربية المتحدة، لديها فِرق جاهزة قبل الحرب، مهمتها التعامل مع الأحداث الطارئة والأزمات، ولديها الحلول أيضاً، وتقوم بالتدريبات الدورية للحفاظ على الجهوزية. وهذا يفسّر الأمن والأمان في أوقات الأزمات، كما يفسر القدرة على إحباط المؤامرات، عن طريق رصدها قبل وقوعها.
