الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

من غابارد إلى الدولة.. كيف يتآكل النظام الأمريكي بصمت؟

25 مايو 2026 00:46 صباحًا | آخر تحديث: 25 مايو 00:47 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
في المشهد الأمريكي الراهن، تبدو استقالة تولسي غابارد أشبه بحجر صغير سقط في بحيرة راكدة، فعرّى اتساع الموج لا ضآلة الحجر. ليست رئيسة الاستخبارات سوى علامة على نص أكبر يكتبه النظام الأمريكي على جدار تاريخه: نص التآكل من الداخل.
غابارد قصة انعكست فيها تناقضات واشنطن على مرآة فردية. نائبة ديمقراطية ذات نزعة مناهضة للحروب «الليبرالية»، انقلبت على حزبها عندما رأت فيه طبقة من النُخب، ثم وجدت في ترامب منصة للتعبير عن تمردها على المؤسسة. هكذا انتقلت من مقاعد الكونغرس إلى قمة هرم الاستخبارات الوطنية، حاملة معها تناقضاً صعباً: شخصية بُنيت على نقد المؤسسة، ثم وجدت نفسها داخل أكثر مؤسسات الدولة حساسية.
لكن ما بدا في البداية تقاطعاً بين إدارة تبحث عن أصوات متمردة، وسياسية ترى نفسها خارج النخبة التقليدية، انتهى سريعاً عند حدود السلطة نفسها. فمع تصاعد الخلافات حول ملفات الأمن القومي، بدأت المسافة تتسع بين لغة السياسة ولغة الاستخبارات. ولم تكن التسريبات عن جلسات التوبيخ التي تعرضت لها في البيت الأبيض سوى إشارة إلى لحظة يصبح فيها المسؤول مضطراً لمواءمة تقديراته مع السياق السياسي، لا الاكتفاء بمعايير العمل المهني.
لذلك، حين أعلنت غابارد أن زوجها يواجه مرضاً نادراً وأنها قررت التفرغ إلى جانبه، بدا العذر الإنساني ستارة شفافة تخفي خلفها مسرحاً مكتظاً بالخلافات، وبيتاً أبيض.. يضيق بهامش التباين أكثر مما يحتمله نظامه السياسي نظرياً.
غير أن هذه الحالة لا تقف عند حدود تجربة واحدة. ففي غضون خمسة أشهر فقط، غادرت أربع سيدات مواقعهن في الإدارة الحالية: وزيرة الأمن، وزيرة العدل، وزيرة العمل، وصولاً إلى موقع حساس كالاستخبارات. تتابع هذه المغادرات يطرح تساؤلاً لا يمكن تجاهله: هل تعاني الإدارة من ضيق تجاه الاختلاف عموماً؟ أم أن الإشكال يتفاقم عندما يأتي هذا الاختلاف من نساء في مواقع القرار؟
هذا التساؤل لا يُطرح من زاوية جندرية بحتة، بل من منظور مؤسسي أوسع. فالاستقالات لا تُفهَم إلا إذا أُدرجت في سياق أوسع في بنية السلطة التنفيذية. إدارة تحولت إلى غرفة انتظار تزدحم فيها الاستقالات والإقالات: وزراء سيادة يخرجون تحت وطأة الفضائح أو الخلافات، مسؤولون كبار يغادرون احتجاجاً أو يطاح بهم في تغريدة فجائية، وجهاز بيروقراطي فيدرالي يتهيأ منه عشرات الآلاف للمغادرة ضمن موجات محسوبة من «إعادة هيكلة» الدولة. ما يحدث ليس اختلافاً في الأسماء، بل في الفلسفة: من دولة بُنيت تاريخياً على تراكم الخبرة واستقرار الرجال والنساء الرماديين خلف الكواليس، إلى دولة تُدار بعقلية شركة عائلية تُستبدل فيها الطواقم كما تُستبدل فرق الحملة الانتخابية.
هنا يتقدم البعد البنيوي إلى الواجهة. النظام الأمريكي، كما صاغه الآباء المؤسسون، قام على الحذر من البشر، أياً كانوا، وعلى توزيع متقن للسلطة بين ثلاث سلطات تتجاذب وتتكافأ. جوهر الفكرة كان في شيء واحد: لا أحد يملك الدولة بمفرده، والمؤسسات لا الأفراد هي وعاء القوة. ما نراه اليوم، هو انقلاب على هذه الفلسفة. الرئيس يميل إلى التعامل مع الوزارات والأجهزة الأمنية بوصفها امتداداً لإرادته، لا كيانات مستقلة نسبياً تُلزمه بقواعد اللعبة.
لا يعني هذا أن الدولة الأمريكية تقف على حافة الانهيار غداً؛ الإمبراطوريات الكبيرة لا تسقط دفعة واحدة، بل تتآكل طبقة طبقة. لكن ما يحدث يشبه، في جوهره، انتقالاً من «دولة المؤسسات» إلى «دولة الإرادة»: إرادة زعيم يزعم أنه وحده يجسد الشعب في مواجهة «نخبة فاسدة»، وإرادة مؤسسات تحاول أن تحافظ على دورها التاريخي فلا تجد إلا أدوات التمرد الناعم: استقالات، تسريبات، شهادات علنية تضع الخط الفاصل بين ما يمكن تحمّله وما لا يمكن السكوت عنه.
هذا التآكل الداخلي له كُلفة خارجية ثقيلة. الولايات المتحدة ستظل لعقد قادم على الأقل قوة عظمى في الاقتصاد والعسكر والتكنولوجيا، لكن معضلتها لن تكون في نقص القوة، بل في فائضها بلا بوصلة.
استقالة تولسي غابارد تصلح لأن تكون افتتاحية لهذا المشهد لا خاتمته. هي حكاية ديمقراطية تاهت في يمين شعبوي، واستخباراتية وجدت نفسها بين أخلاق المهنة وضغوط السلطة، وإنسانية اختارت أن تختبئ خلف مرض زوج لتخرج من مسرح لم يعد يحتمل الأصوات المترددة.
لكن خلف هذه الحكاية الخاصة يتشكل سؤال عام: حين تتعب المؤسسات من محاولات ترويضها، وحين يُصرّ السياسي على محاربة النظام الذي أوصله إلى السلطة، أيهما ينتصر في النهاية؟ التاريخ يُغري بالقول إن الدولة الأمريكية ستجد، كما فعلت من قبل، صيغة جديدة للتوازن. لكن التاريخ نفسه يهمس بأن كل توازن جديد يأتي بعد كلفة، وأن ما نراه اليوم ربما يكون بداية فاتورة تُدفع على مهل، في الداخل أولاً، ثم في خريطة العالم بأسره.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة