رغم حملات التضييق والرقابة الدولية المتزايدة منذ الأزمة المالية العالمية بين عامي 2007 و2009، يواصل قطاع التمويل الخارجي أو ما يعرف بـ «الأوفشور» تحقيق نمو قوي، مدفوعاً بتوسع أسواق إعادة التأمين وصناديق الائتمان الخاص وتدفقات رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة.
وشهد العقد الماضي سلسلة من الإجراءات الهادفة إلى الحد من استخدام الملاذات الضريبية، بدءاً من إقرار الولايات المتحدة قانون الامتثال الضريبي للحسابات الأجنبية «فاتكا» عام 2010، مروراً بتسريبات «وثائق بنما» في 2016، التي دفعت الحكومات الغربية إلى فرض قواعد أكثر صرامة على المراكز المالية الخارجية، بما في ذلك إنشاء سجلات للملكية الفعلية وتبادل المعلومات المالية مع السلطات الأخرى.
لكن البيانات تشير إلى أن هذه الإجراءات لم تؤد إلى انكماش القطاع، إذ ارتفعت الأصول الخارجية للشركات بين عامي 2010 و2024 إلى أكثر من الضعف لتصل إلى 64 تريليون دولار، كما سجلت السندات الدولية الصادرة عبر المراكز الخارجية مستوى قياسياً بلغ 31% من إجمالي السوق العالمية بنهاية العام الماضي. ويرى جيسون شارمان من جامعة كامبريدج أن السرية لم تعد العامل الأساسي في جاذبية هذه المراكز، بينما يقول أندرو موريس من جامعة «تكساس إي أند إم» إن بعض الملاذات المالية تتمتع بأنظمة تنظيمية «أفضل وأكثر مرونة» مقارنة بالأسواق الكبرى.
وأصبحت هذه المراكز نقطة جذب رئيسية لقطاعات مالية سريعة النمو، خصوصاً إعادة التأمين وصناديق الأسواق الخاصة، في وقت زادت فيه شركات التأمين الأمريكية استثماراتها في الأصول غير السائلة مثل الأسهم الخاصة والائتمان الخاص والعقارات ورأس المال الجريء.
وتبرز «برمودا» «أحد أبرز المستفيدين من هذا التحول، بعدما تحولت إلى مركز عالمي لإعادة التأمين بفضل قواعد تنظيمية تسمح للشركات باستخدام رؤوس أموال أقل لتمويل بعض الأصول الخاصة. وأصبحت برمودا موطناً لأصول إعادة تأمين تبلغ 1.5 تريليون دولار، تمثل نحو 15% من رأس المال العالمي لقطاع إعادة التأمين.
كما عززت جزر كايمان مكانتها في القطاع بعد خروجها من «القائمة الرمادية» لمجموعة العمل المالي الدولية في عام 2023، حيث ارتفعت أصول إعادة التأمين فيها إلى أكثر من 100 مليار دولار، مع زيادة كبيرة في عدد صناديق الأصول الخاصة المسجلة.
وفي آسيا، أصبحت المراكز الخارجية جزءاً أساسياً من آليات التمويل الصينية، إذ تعتمد شركات صينية كبرى مثل«علي بابا» و«بايت دانس» على هياكل استثمارية مسجلة في جزر كايمان للوصول إلى رؤوس الأموال الأجنبية.
كما تستخدم الشركات الصينية هذه المراكز للالتفاف على القيود الصارمة على حركة رؤوس الأموال، حيث أظهرت البيانات الرسمية الصينية أن الاستثمارات عبر جزر كايمان وجزر العذراء البريطانية بلغت 192 مليار دولار حتى يونيو 2025.