مع أيام عيد الأضحى، تنشط الجلسات العائلية مع الأقارب والأصدقاء، ويواجه بعض الحضور في هذه الجلسات، مناقشات فضولية تفسد الأجواء السعيدة، ما يجعلهم يتجنبونها بسبب التدخل في خصوصياتهم، وطرح أسئلة مثل: (متى ستتزوج؟)، (لماذا لم تنجبي أطفالاً حتى الآن؟)، (لماذا أنت سمين؟)، أو (كم راتبك الشهري؟)، وهي أسئلة قد يراها البعض عفوية، لكن أثرها قد يكون نفسياً وسلبياً لدى الطرف الآخر.
«الخليج» التقت عدداً من المستشارات اللواتي تحدثن عن أهمية احترام الخصوصية خلال جلسات العيد، وتجنب الأسئلة المحرجة التي قد تتحول إلى مصدر ضغط نفسي، مؤكدات ضرورة اختيار الكلمات اللطيفة، وطرح المواضيع التي تعزز المحبة، والسعادة، والألفة، داخل التجمعات العائلية.
ابتعاد أسري:
الدكتورة أمينة الماجد مستشارة أسرية وزوجية قالت: «رصدت خلال سنوات عملي الاستشاري حالات ابتعدت عن التجمعات العائلية، أو أصبحت تشعر بالنفور من المناسبات الاجتماعية بسبب تكرار الأسئلة الشخصية، والنظرات الضاغطة، لأن بعض الكلمات قد تترك آثاراً نفسية طويلة، على الرغم من بساطتها لدى قائلها، ويجب ضرورة استبدال الأسئلة المحرجة بالكلمات اللطيفة والداعمة التي تمنح الآخرين شعوراً بالأمان والقبول، لأن الأسرة الواعية لا تُحرج أفرادها، بل تحتويهم، واحترام الخصوصية والاحتواء أصبحا ضرورة تربوية واجتماعية تسهم في بناء أسرة أكثر وعياً، وترابطاً، ورحمة».
أمينة الماجد
فاطمة الهرمودي
ناهد الدرمكي
وأضافت: «من أهم علامات الوعي الأسري الحقيقي أن ندرك أنه ليس كل ما نعرفه يحق لنا السؤال عنه، وليس كل صمت يحتاج اقتحاماً، فالحياة مملوءة بالظروف الخفية: هناك من تتألم من تأخر الإنجاب، ومن تخوض تجربة علاج نفسي، ومن فقدت ثقتها بنفسها بسبب تعليق ساخر، ومن يقاوم ضغوط الحياة بصمت شديد، والكلمة قد تكون عابرة عند قائلها، لكنها قد تبقى سنوات في ذاكرة الطرف الآخر، والعيد ليس منصة للمحاسبة الاجتماعية».
طباع مختلفة:
أكدت المستشارة النفسية والتربوية مروة شومان: «إن جلسات العيد يفترض أن تكون مساحة للمحبة والفرح، إلا أن بعض المناقشات والأسئلة الشخصية قد تتحول إلى مصدر توتر، وضغط نفسي، مثل الأسئلة المتعلقة بالزواج، أو الإنجاب، أو الوزن، أو الراتب، والبعض يعتقد أنها نوع من المزاح، أو الفضول، لكنها قد تترك أثراً نفسياً يفسد راحة الشخص، ويشعره بالإحراج».
وأوضحت أن بعض الأشخاص تربّوا على التدخل باعتباره نوعاً من الاهتمام، فيما يتعمد آخرون إحراج غيرهم، أو لفت الانتباه لأنفسهم، وهذه التصرفات قد ترتبط ببعض السمات النفسية، مثل الشخصية النرجسية، أو الهستيرية، أو السلبية العدوانية، وقد يكون السبب أحياناً الفراغ النفسي، أو ضعف تقدير الذات، ما يدفع البعض للشعور بالقوة عند إحراج الآخرين.
إسراء شاهين
مروة شومان
وشدّدت على أهمية حماية الإنسان لسلامته النفسية من خلال وضع حدود شخصية واضحة، مؤكدة أن الشخص ليس مجبراً على الإجابة عن الأسئلة الخاصة، أو تبرير حياته للآخرين، مع ضرورة استخدام الحزم الهادئ، وتغيير مسار الحديث بذكاء للحفاظ على هدوء الجلسة، وتجنب التوتر.
احترام المشاعر
ترى المستشارة الأسرية ناهد الدرمكي، أن أجواء العيد يجب أن تبقى قائمة على المحبة والتآلف، وأن تكون الردود على الأسئلة الشخصية لبِقة وهادئة، من دون أن تفسد أجواء الود بين أفراد العائلة.
وأوضحت أن الأفضل هو اختيار ردود مختصرة تحفظ خصوصية الشخص من دون تصعيد الأمور، أو تكبيرها، مثل قول: «الحمد لله أنا راضٍ عن حياتي»، وأن بعض الأشخاص يطرحون الأسئلة الخاصة بدافع حسن النية، ومن دون قصد التطفل، إلا أن بعض هذه الأسئلة قد تترك أثراً كبيراً في نفس الشخص الذي يتلقاها، والأثر النفسي أحياناً قد يسبب الإحراج، والضغط النفسي، والشعور بالنقص وفقدان الأمان داخل الجلسة، إلى جانب الشعور بالحزن».
حسن الكلام
شدّدت المستشارة الأسرية فاطمة الهرمودي، على أهمية الرد بهدوء ولطف من دون إفساد أجواء العيد، من خلال عبارات تحافظ على الخصوصية والعلاقة في الوقت نفسه، مثل: «إن شاء الله في الوقت المناسب سأتزوج»، و«دعواتكم بالأفضل»، و«دعونا نستمتع بأجواء العيد وننتقل إلى موضوع آخر»، كما دعت إلى اختيار موضوعات تجمع أفراد العائلة، بدلاً من إحراجهم، مثل الحديث عن الذكريات الجميلة، والهوايات، وخطط العيد، مؤكدة أن احترام الخصوصية يبدأ من الأسرة نفسها، عندما يعتاد الأبناء على احترام المساحة الشخصية، وعدم الإلحاح، أو التعليق على الحياة الخاصة، أو المظهر.
ونوهت بأن «الثقافة الإسلامية تدعو إلى احترام المشاعر، وصون كرامة الآخرين، كما قال تعالى: «وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا»، والعيد لا يحتاج إلى مقارنات أو تحقيقات، بل إلى الرحمة والذوق، والكلمات التي تترك أثراً طيباً في النفوس».
وعي الاسرة:
أكدت إسراء شاهين، خبيرة في الإتيكيت والبرتوكول والحضور التنفيذي: «إن تعزيز ثقافة احترام الخصوصية الشخصية داخل الأسرة يبدأ من المنزل، ومن التصرفات اليومية البسيطة، لأن الأطفال عندما يشاهدون الأهل يحترمون خصوصية بعضهم بعضاً، ولا يعلّقون باستمرار على الأجسام، أو القرارات الشخصية، أو يقارنون بين الناس، فإن هذا الوعي ينمو لديهم بشكل طبيعي».
وأوضحت أن من مسؤولية الأهل عدم مشاركة التفاصيل الشخصية الخاصة بالأبناء مع الآخرين خارج نطاق الأسرة، لأن تداول هذه المعلومات يفتح المجال أمام المجتمع للتدخل، وإبداء الآراء، وطرح الأسئلة، وكأن هذه الأمور أصبحت متاحة للجميع، وبعض الأهالي قد يشاركون هذه التفاصيل بعفوية، أو بدافع «الفضفضة»، من دون الانتباه إلى أن ذلك قد يضع أبناءهم تحت ضغط اجتماعي، أو في مواقف محرجة.
وشدّدت على أهمية تربية الأبناء على أن القرب لا يعني التطفل، وأن المحبة لا تقاس بحجم التدخل في حياة الآخرين، وأن احترام الخصوصية لم يعُد مجرد مسألة إتيكيت، بل انعكاس حقيقي للأخلاق والوعي والذكاء الاجتماعي.